الثلاثاء، ٢٠ أكتوبر، ٢٠٠٩

دلالات الصراع داخل جماعة «الإخوان المسلمين»

خليل العناني

أحد العيوب الهيكلية فى جماعة «الإخوان المسلمين» هو حساسيتها المفرطة في التعاطي مع مسائل الخلاف الداخلي. وقد أثبتت أكثر من تجربة أن الجماعة، وعلى رغم قدرتها الجيدة على ضبط وإدارة الاختلافات والتوجهات الفكرية والسياسية بين أجنحتها المتصارعة، إلا أنها لا تحتمل إمكان وجود خلافات تنظيمية بين قياداتها، وغالباً ما يكون مصير المخالفين إما الانشقاق أو الاعتزال.
ويحفل تاريخ جماعة «الإخوان المسلمين» بحالات صريحة من الخلافات والصراعات التي أثرت سلباً على صورة الجماعة وقدراتها في مواجهة خصومها السياسيين. وقد برزت حديثاً بوضوح ظاهرة الانشقاقات داخل فروع الجماعة، وهو ما يطرح تساؤلات كثيرة حول كفاءة الأداء التنظيمي والسياسي لجماعة «الإخوان المسلمين» وقدرتها على مواكبة ا
لتحولات التي تختمر داخل بنيتها القاعدية.
ولدينا الآن ثلاث حالات تكشف عن عمق الخلل فى التركيبة البنيوية والسياسية للجماعة. أولها في الجزائر حيث لم تتحمل حركة «مجتمع السلم» المعروفة بحركة «حمس» وجود اختلاف فى الرؤى والتوجهات والسياسات بين رئيسها أبو جرة سلطاني ونائبه السابق عبد المجيد مناصرة. وقد كانت العلاقة بين الطرفين قد وصلت إلى ذروة التوتر خلال المؤتمر الرابع للحركة الذي عقد في نيسان (ابريل) 2008 الذي منح سلطاني الاستمرار في قيادة الحركة لفترة جديدة. ولو إن الخلاف بين سلطاني ومناصرة كان بسيطاً لاستطاعت الحركة أن تلملم أطرافها وأن تعيد ترتيب بيتها الداخلي حفاظاً على صورتها على الأقل، بيد أنه كان عميقاً ولم تقو الحركة على امتصاصه حتى وقعت الأزمة وانشطرت الحركة عمودياً إلى نصفين أحدهما يتبع سلطاني، والآخر يوالي مناصرة تحت مسمى جديد هو «حركة الدعوة والتغيير» التي أُعلن عن قيامها أوائل العام الحالي.
أما الحالة الثانية فقد كانت بين «إخوان» الأردن، حيث شهدت الأشهر القليلة الماضية ما يشبه الانشقاق العلني لما يعرفون بالتيار الإصلاحي (تيار الحمائم) وذلك عطفاً على تعقيدات العلاقة بين جماعة «الإخوان المسلمين» الأردنية وحركة «حماس» من الناحيتين التنظيمية والسياسية. وهي أزمة لم تبدأ حديثاً، وإنما تمتد جذورها إلى أواخر التسعينات حين قويت شوكة (الحمائم) داخل مؤسسات الجماعة وحزب «جبهة العمل الإسلامي» الذي يمثلها، وما نجم عن ذلك من توتر علاقتهم مع الجناح المحافظ أو (الصقور) الذي حاول استعادة زمام الحركة وتوجيهها حسب رؤاه حتى تحقق له ما أراد. ومذاك، لم تنجح الجماعة في إنهاء حالة الانقسام بين جناحيها، والتي تعمقّت بمرور الوقت حتى وصلت في النهاية إلى طريق مسدود، ولا يبدو أن الجماعة ستخرج منها بسلام.
أما الحالة الثالثة، والأهم، فهي التي تحدث الآن داخل الجماعة «الأم» في مصر. فقد وصلت الأوضاع داخلها إلى مرحلة حرجة من التوتر «المكتوم» ستكون لها تداعياتها المستقبلية على كيان الحركة. ولعلها مفارقة أن الأزمة الراهنة لا تدور بين جناحين أحدهما إصلاحي والآخر محافظ وإنما داخل هذا الأخير. ذلك أنه من الصعوبة بمكان افتراض وجود تيار إصلاحي قوي داخل الجماعة. فقبل أسابيع قليلة توفي أحد أكبر أعضاء مكتب الإرشاد وهو محمد هلال (90 سنة) وكان من المفترض، كما هو متبّع عرفاً، أن يتم تصعيد القيادي البارز في الجماعة عصام العريان كي يحل محله، وذلك باعتباره الأحق وفقاً لنظام اللائحة الداخلية للجماعة. بيد أن التيار المحافظ رفض ذلك متعللاً بعدم قانونية هذا الإجراء من جهة، وبعدم الحاجة الآنية له من ناحية أخرى، خاصة أن ثمة انتخابات جديدة لمكتب الإرشاد من المفترض أن تجري خلال الأشهر الثلاثة المقبلة. ولم تكن المشكلة في تصعيد العريان او عدمه، فهذه ليست المرة الأولى التي يثيرها الوضع التنظيمي لهذا القيادي البارز، وإنما بالأساس في قدرة الجماعة على ضبط خلافاتها الداخلية من جهة، وفي قراءتها لأوضاعها السياسية ضمن تركيبة المشهد السياسي المصري من جهة أخرى. فالجماعة وإن نجحت خلال العقدين الماضيين في إبداء صرامة واضحة في التعاطي مع مخالفيها داخلياً (تعزيراً أو تهميشاً)، إلا أنها لم تفلح مطلقاً في الاستفادة من التنوع الفكري والإيديولوجي للمخالفين لها، مما أفقدها رصيداً سياسياً هي في أشدّ الحاجة إليه لمواجهة خصومها. وتبدو الأزمة هذه المرة أكبر من أن يتم تسكينها بالطريقة المعتادة. فقد تجاوز الخلاف مستواه القاعدي كي يصل إلى قمة الهرم القيادي في الجماعة، حيث بدا واضحاً أن المرشد العام للجماعة لا يسير وفق هوى الجناح المحافظ إزاء مسألة ترقية العريان تنظيمياً، وهو يدافع عن ضرورة منح العريان فرصة داخل مكتب الإرشاد ولو لفترة موقتة. وبغض النظر عما تردد حول رغبة المرشد مهدي عاكف الاستقالة من منصبه بسبب هذه الأزمة، فإن ثمة دلالة لا تخطئها العين حول مدى قدرة المرشد الحالي على كبح جماح الجناح المحافظ داخل الجماعة. فقد حاول عاكف طيلة فترة ولايته الممتدة منذ كانون الثاني (يناير) 2004 أن يقوم بضبط إيقاع العلاقة بين التيارات والتوجهات المختلفة داخل الجماعة، بيد أن ذلك كان يأتي دائماً على حساب الجناح الإصلاحي أو البراغماتيين، سواء بسبب ضعف وزنهم ونفوذهم التنظيمي مقارنة بالمحافظين، أو بسبب تخوّف المرشد من استغلال النظام للمشاكل الداخلية في الجماعة سياسياً وأمنياً.
وبوجه عام، تكشف ديناميات إدارة الاختلافات الداخلية في جماعة «الإخوان المسلمين» بمختلف فروعها عن ملامح أساسية تميزها عن غيرها من نظيراتها الإسلامية والسياسية. أولها انخفاض مرونة الجماعة في التعاطي مع مخالفيها. وتبدو اللعبة بين أجنحة الحركة «صفرية» النتائج. لذا فكثيراً ما يصرّ المحافظون (الحرس القديم) على معاقبة الإصلاحيين وتعنيفهم تنظيمياً وسياسياً ومعنوياً، وذلك تحت ذريعة الحفاظ على كيان الجماعة متماسكاً. وهم يهدفون من وراء ذلك الى تحقيق أمرين، أولهما لضمان عدم خروج الأوضاع عن سيطرتهم مع زيادة المساحة التأثيرية للإصلاحيين داخل التنظيم. وثانيهما، وقف «عدوى» انتشار الأفكار الإصلاحية بين الأجيال الشابة وتحصينها ضد محاولات الإصلاحيين استقطابها داخلياً.
ثانيها، أن الصراع بين المحافظين والإصلاحيين داخل «الإخوان» لا يختلف مطلقاً في شراسته عن أي صراع سياسي «بشري» تختلط فيه المصالح بالرغبات الفردية. ولا تخفف من ذلك محاولات بعض المحافظين إضفاء طابع طهوري «قدسي» على خلافاتهم، بحيث تبدو توجهات الإصلاحيين وكأنها خروج عن «ثوابت الدين»، واستهداف لـ «وحدة الأمة». فعلى سبيل المثال شهدت جماعة «الإخوان المسلمين» في مصر صراعاً حقيقياً حول عضوية مكتب الإرشاد إبان التسعينات بين من كانوا يوصفون آنذاك بالشباب مثل عصام العريان وعبد المنعم أبو الفتوح، وشيوخ الجماعة. ناهيك عما يُشاع باستمرار عن الصراع المتكرر حول منصب نائب المرشد. في حين يحاول محافظو الجماعة القيام بما يشبه وظيفة «حراس المعبد» من أجل سد المنافذ أمام تصعيد قيادات إصلاحية إلى قمة الهرم التنظيمي للجماعة كما هو الحال مع عصام العريان وجمال حشمت وإبراهيم الزعفراني فى مصر ورحيل غرايبة في الأردن. لذا لم يحدث أن تولى الإصلاحيون داخل «الإخوان» أية مناصب تنفيذية عليا يمكنها إعادة توجيه ورسم السياسات الكلية للحركة، وذلك بسبب هيمنة المحافظين على «الماكينة» التنظيمية للجماعة على مستوى مجالس شورى المحافظات والمناطق ومجلس الشورى العام.
ثالث الملامح، ضعف دور القيادة في حسم الخلافات الداخلية، فمعظم الأزمات الأخيرة التي شهدتها حركة «الإخوان المسلمين» في مصر والأردن والجزائر تكشف عن عدم قدرة قيادة هذه التنظيمات على ضبط التوازن داخل الحركة، وذلك إما بسبب ميل القيادة ذاتها لمصلحة هذا الطرف أو ذاك كما هو الحال في الأردن، أو بسبب قوة أحد الأجنحة وهيمنته على المفاصل التنظيمية للحركة كما هي الحال في مصر. فعلى سبيل المثال لم يكن أمام المرشد العام للجماعة في مصر سوى اللجوء إلى «عزلة اختيارية» من أجل الضغط على المحافظين لتصعيد العريان لمكتب الإرشاد. وباعتقادي أنه لو تمادى المرشد في عزلته وموقفه الداعم للعريان، لربما تعرّض لنوع من الانقلاب «الأبيض» من قبل الجناح المحافظ داخل الجماعة. أما في الجزائر فقد كان ملفتاً وقوف الجماعة «الأم» في مصر على الحياد من طرفي النزاع (سلطاني ومناصرة) وذلك تحت ذريعة لا مركزية التنظيم الدولي للجماعة والمسؤولية الذاتية لفروع الحركة.
رابعها، أن الجماعة كثيراً ما تلجأ إلى استراتيجية «ترحيل الأزمات» وذلك في ما يخص معالجة خلافاتها الداخلية، وذلك من خلال محاولة تجاهل المطالب المتكررة بالتغيير وتفعيل مبادئ الشفافية والمحاسبة بحجة التفرغ لإدارة المعركة مع الأنظمة العربية. وهو ما يؤدي إلى تأجيل الخلافات الداخلية من دون حلّها، ويؤدي بالتبعية إلى وقوع أزمات وانشقاقات يصعب تلافيها لاحقاً، وذلك على نحو ما حدث أخيراً في الأردن والجزائر.
خامسها، عدم وجود وزن مؤثر للأجيال الشابة داخل معادلة الصراع بين المحافظين والإصلاحيين. ويبدو واضحاً أن الكفة تميل دائماً لمصلحة المحافظين في ما يخص الهيمنة على عقول وقلوب شباب الجماعة. ومرد ذلك أمران أولهما هو هيمنة المحافظين على عملية الترقي والتصعيد داخل السلم التنظيمي ما يضع القواعد تحت رحمتهم. وثانيهما، التنشئة التنظيمية والدينية المغلقة والرقابة الصارمة التي يمارسها هؤلاء مع القواعد والتي تمنع فرص تواصلهم وتأثرهم بأفكار ورؤى الإصلاحيين، وذلك على رغم محاولات بعض هؤلاء الشباب كسر هذه الهيمنة عبر اللجوء الى الوسائط التكنولوجية الحديثة كالانترنت والمدونات من أجل تطوير أفكارهم ورؤاهم السياسية.

الأربعاء، ٧ أكتوبر، ٢٠٠٩

إعادة التفكير في المشروع الاستراتيجي لتنظيم "القاعدة"

خليل العناني

عندما دخل الاتحاد السوفياتي السابق أفغانستان لم يكن يخطط لاحتلال طويل المدى، وإنما كان يسعى لدعم الحكم الشيوعي الذي تأسس تحت رعاية سوفياتية مباشرة أواخر السبعينات. وكان الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبه الزعيم السوفياتي ليونيد بريجينيف ومن جاء بعده، هو الوقوع فى فخ الاستدراج والاستنزاف الذي نصبه لهم المتمردون الأفغان والمجاهدون العرب، ومن خلفهم الغرب. لذا لم يأت عام 1988 إلا وقد تجاوز عدد القوات السوفياتية في أفغانستان حوالي مئة ألف جندي، قُتل منهم 14 ألفاً وجُرح ما يقرب من 35 ألف جندي، وذلك قبل أن يخرج السوفيات من دون أن يحققوا أهدافهم من الغزو.
الآن يمارس تنظيم «القاعدة» نفس اللعبة القديمة مع الأميركيين، وهو انتقل من مرحلة استهداف المصالح الأميركية داخلياً أو خارجياً، إلى مرحلة «الاستنزاف» القصوى للولايات المتحدة مادياً ومعنوياً، على غرار ما حدث مع الاتحاد السوفياتي السابق. وبغض النظر عن الوضع الميداني للتنظيم، والذي يعاني خللاً مادياً ولوجيستياً، فإن جذوته الإيديولوجية وأجندته الجهادية لا تزال فاعلة، كما أن رصيده البشري لم يُستنفد بعد. ويخطئ من يقرأ ضعف الشبكة العنقودية للتنظيم كعلامة على دخوله فى مرحلة «الأفول». فمثل هذه التنظيمات «الأممية» لا تموت أبداً ما دامت تعتاش على جذر، ولو ضعيف، في منظومة الجهاد الإسلامي الكلاسيكي. بخاصة بعد أن نجح التنظيم في ترسيخ نفسه كمحتكر وحيد لـ «صناعة الجهاد» في العالم الإسلامي، وبات أشبه بمظلة «جهادية» عالمية وليس مجرد تنظيم إقليمي. وهو في ذلك بات أقرب الى تنظيمات إسلامية «أممية» لا تزال متمسكة بمشروعها الاستراتيجي من دون تغيير، مثل جماعة «الإخوان المسلمين» ذات الثمانين عاماً، وحزب التحرير الإسلامي ذي الخمسين عاماً.
وبوجه عام يمكن تقسيم التطور الذي مر به المشروع «الاستراتيجي» لتنظيم «القاعدة» وأجندته الجهادية إلى ثلاث مراحل، أولها ما يمكن أن نطلق عليه مرحلة «التثبيت» والتي بدأت منذ عام 1998 وحتى أواخر عام 2000وهي المرحلة التي سعى فيها التنظيم لإثبات وجوده والإعلان عن نفسه بكل قوة من خلال عملياته العنيفة التي نفذها في كينيا وتنزانيا في آب (أغسطس) 1998، أي بعد ستة شهور فقط من الإعلان الرسمي عن قيام التنظيم. وما لبثت أن تلت ذلك عملية تفجير المدمرة الأميركية «يو إس إس كول» في خليج عدن في تشرين الاول (أكتوبر) 2000. بالإضافة إلى العمليتين اللتين تم إحباطهما في مطار لوس أنجليس واستهداف إسرائيليين في الأردن عشية الاحتفال بمطلع الألفية الثالثة. وقد كان الهدف الرئيس للتنظيم آنذاك هو توجيه إنذار قوي الى الولايات المتحدة بأن تعيد حساباتها في التعاطي مع مطالبه وعدم الاستخفاف بقدراته. وقد تركز الميدان العملياتي لـ «القاعدة» خلال تلك المرحلة في منطقة القرن الأفريقي. في حين تناغمت الأطروحات الفكرية للتنظيم مع أهدافه الاستراتيجية في تلك المرحلة. وهو ما يمكن قراءته من خلال مراجعة أدبيات وكتابات قادته، سواء المنخرطين في التنظيم في شكل مباشر، مثل أيمن الظواهري وأبو مصعب السوري (مصطفى الست مريم) أو المتعاطفين معه مثل أبو قتادة الفلسطيني (عمر محمود أبو عمر) وأبو محمد المقدسي (عصام البرقاوي).
أما المرحلة الثانية فقد تم تدشينها مع هجمات 11 سبتمبر 2001، ويمكن أن نطلق عليها مرحلة «الاستفزاز والاستدراج». وقد كان الهدف الاستراتيجي هنا ليس فقط مجرد توجيه ضربة تاريخية موجعة للولايات المتحدة على نحو ما حدث، وإنما أيضاً استفزازها واستدراجها الى حرب طويلة المدى لم تعد لها عدتها. وهو ما حدث لاحقاً حين غامرت الولايات المتحدة بالدخول في حربي أفغانستان والعراق، لا لسبب سوى الانتقام لكرامتها المهدَرة، من دون وجود أهداف واضحة لحربيها. ويروي الحارس الشخصي لبن لادن ناصر البحري المعروف باسم (أبو جندل) في حوار له مع قناة «العربية» أن أحد الأهداف الأساسية لأسامة بن لادن من هجمات 11 سبتمبر كان استدراج الولايات المتحدة أو «الثور الأميركي» على حد وصف أبو جندل للقتال على أكثر من جبهة. ومن يراجع خط سير عمليات «القاعدة» خلال تلك المرحلة سوف يلاحظ أمرين، أولهما اتساع الدائرة الجغرافية والعملياتية للتنظيم من بالي (إندونيسيا) شرقاً، إلى جربة (تونس) والدار البيضاء (المغرب) غرباً، ومن لندن ومدريد شمالاً إلى اليمن والصومال جنوباً وبينهما الرياض وأسطنبول ومومباسا. وثانيهما، اتساع المظلة الإيديولوجية والعقائدية للتنظيم كي تلتحق بها تنظيمات وخلايا فرعية تتماهى فكرياً وعقائدياً مع التنظيم «الأم» من دون روابط تنظيمية واضحة، كما هي الحال في العراق وبلاد الشام والجزيرة العربية واليمن والمغرب العربي.
أما المرحلة الثالثة فهي التي يعيشها التنظيم حالياً، وهي التي يمكن أن نطلق عليه مرحلة «الاستنزاف التاريخي» للولايات المتحدة، والتي انتقل فيها تنظيم «القاعدة» من فقه «القتال» إلى فقه «الاستنزاف»، مختفياً تحت عباءة حركة «طالبان» بفرعيها الأفغاني والباكستاني. ويتمثل الهدف الأساسي في هذه المرحلة في ضمان إبقاء القوات الأميركية فى مناطق الصراع لأطول فترة ممكنة باعتبارها ماكينة استنزاف مادي وعسكري لـ «الثور» الأميركي. لذا فقد كان قرار الانسحاب الأميركي من العراق بمثابة خسارة استراتيجية لتنظيم «القاعدة» ليس فقط كونه يسحب إحدى ذرائع التنظيم في مواصلة القتال هناك، وإنما أيضاً كونه يقلل من الدعم الداخلي والخارجي ويعرّي التنظيم سياسياً وعسكرياً. في حين كان قرار إدارة أوباما بزيادة القوات الأميركية في أفغانستان الربيع الماضي كي تصل إلى نحو 63 ألف جندي، بمثابة هدية لزعماء التنظيم وتدشين للمرحلة الثالثة من مشروعهم الاستراتيجي، وتزايد فرص دخول الولايات المتحدة في طور الاستنزاف التاريخي. وهو ما تؤكده الخطب الصوتية الأخيرة التي بثّها قادة التنظيم. ففي رسالته الأخيرة بمناسبة الذكرى الثامنة لأحداث 11 سبتمبر، أشار أسامة بن لادن إلى أن الولايات المتحدة سوف تشهد حرب استنزاف طويلة المدى، وهو نفس المعنى الذي أكده الظواهري في أكثر من شريط صوتي.
وفي الوقت الذي يطور فيه تنظيم «القاعدة» أهدافه واستراتيجياته، خاصة فيما يتعلق بالحرب النفسية والإعلامية، تبدو الولايات المتحدة غارقة حتى أذنيها في كيفية مجاراة التنظيم ومواصلة الحرب معه، من دون البحث في إمكانية وقفها وتغيير استراتيجيتها في شكل جذري.
وبعكس ما قد يبدو، فإن وصول باراك أوباما الى البيت الأبيض كان بمثابة عنصر استنفار واستفزاز للتنظيم من جهتين، أولاهما أن ذلك يكاد يفقد التنظيم إحدى أوراقه الرابحة في استمرار جذوة الصراع متقدة مع الغرب، فقد كانت «حماقة» المحافظين الجدد ورعونتهم بمثابة وقود حي لتنظيم «القاعدة» ورافعة مهمة لتبرير عملياته في كل مكان. وثانيتهما، ازدياد الرغبة لدى قيادة التنظيم في إمكانية إلحاق الهزيمة بالولايات المتحدة باعتبار أن أوباما لن يقوى على مجاراة «القاعدة» سواء لحداثة خبرته السياسية، أو لرغبته في تغيير الصورة السلبية للولايات المتحدة في العالم الإسلامي من خلال الانسحاب من مناطق الصراع في هذا العالم، وهو ما يعطي «القاعدة» فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب صفوفها.
وفي شكل سريع يمكن استعراض أهم النتائج والمكاسب التي حققتها استراتيجية «الاستنزاف» في مواجهة الولايات المتحدة حتى الآن. ولعل أولها ما يتعلق بالاستنزاف المادي والاقتصادي، فقد بلغت تكلفة الحرب على العراق وأفغانستان حوالى تريليون دولار مقسمة بينهما إلى 684 و 223 بليون دولار على التوالي، بالإضافة إلى حوالى 33 بليون دولار لبقية مجالات الحرب على الإرهاب. ومن المحتمل أن تزيد تكلفة الحرب هذا العام بنحو 338 بليون دولار إذا تمت زيادة عدد القوات فى أفغانستان بحوالي 30 ألف جندي، وإلى نحو 867 بليوناً إذا زاد عدد القوات بحوالي 75 ألف جندي بحلول عام 2013، ومن المتوقع أن تصل التكلفة الإجمالية للحرب على الإرهاب إلى نحو 2 تريليون دولار بحلول عام 2019 بحسب إحصاءات لجنة القوات المسلحة فى الكونغرس الأميركي. وسيزداد الأمر سوءاً إذا أُضيفت إليه فاتورة الأزمة المالية الحالية التي يواجهها الاقتصاد الأميركي.
اما النتيجة الثانية للحرب فهي الاستنزاف العسكري والاستراتيجي للولايات المتحدة، فقد وصل عدد القوات الأميركية في أفغانستان إلى 63 ألف جندي من المتوقع رفعها إلى نحو مئة ألف بحلول العام المقبل (لنتذكر هنا الحالة السوفياتية)، وذلك إذا حُسم الصراع داخل أروقة الإدارة الأميركية في شأن زيادة عدد القوات بحسب التوصية التي قدمها أخيراً قائد القوات الأميركية في أفغانستان الجنرال ستانلي ماكريستال. ناهيك عن ارتفاع الخسائر في صفوف القوات الأميركية وقوات حلف الاطلسي في شكل غير مسبوق.
ومن جهة أخرى فإن من شأن تدهور الأوضاع في العراق وأفغانستان أن يؤدي إلى تآكل المزايا الاستراتيجية التي احتفظت بها الولايات المتحدة لفترة طويلة في منطقتي الخليج وجنوب شرقي آسيا وآسيا الوسطى. وقد تضطر الولايات المتحدة للدخول في مساومات وصفقات مع خصوم لها مثل إيران وروسيا والصين من أجل الحفاظ على مصالحها في تلك المناطق. وهنا يمكن الإشارة إلى ملاحظة ذات دلالات عميقة وهي أنه من بين 42 دولة تعمل تحت مظلة حلف الاطلسي في أفغانستان، فيما يعرف بـ «القوات الدولية للدعم والإسناد – إيساف» لا توجد بينها أي من دول الجوار الأفغاني (روسيا، الصين، إيران، باكستان، الهند) وهو ما يمثل عبئاً إضافياً على واشنطن في حل المعضلة الأفغانية.
النتيجة الثالثة هي الاستنزاف المعنوي، وهو ما يرتبط بتآكل الصورة النمطية للولايات المتحدة كقطب دوي مهيمن. وقد اصبح ذلك واضحاً بجلاء خلال الشهور التسعة الماضية، وترجمه الرئيس باراك أوباما صراحة في خطابه الذي ألقاه أخيراً أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة والذي أنهى فيه رسمياً مرحلة «القطبية الأحادية» ودشّن مرحلة جديدة في النظام الدولي لا تزال ملامحه في طور التشكل.
وبذلك يكون تنظيم «القاعدة» قد نجح في تحقيق أحد أهدافه التاريخية في مواجهة «العدو البعيد»، ما يفرض حتمية إعادة التفكير في مستقبل التنظيم وكيفية التعاطي مع مشروعه الاستراتيجي.

الأحد، ٢٧ سبتمبر، ٢٠٠٩

مجتمعات عربية تنذر بالانفجار

خليل العناني
يخطئ من يظن أن ملف التغيير والإصلاح فى العالم العربي قد طُوي برحيل المحافظين الجدد وزعيمهم جورج دبليو بوش. ذلك أن التغيير البنيوي لا يأتي عبر دعوات وضغوط موسمية تنتهي بتحقيق وظيفتها أو رحيل مروّجيها، بقدر ما يكون رد فعل على أوضاع قد تحجّرت وحان وقت انفجارها.
صحيح أن الدولة العربية تخشى تغييراً قد يطيح من في السلطة أو يقلّص نفوذهم، بيد أن إبقاء الأوضاع على جمودها وعفنها قد يأتي بتغيير يطيح بالمجتمع وأهله جميعاً، وذلك على نحو ما هو قائم الآن في أكثر من بلد عربي. وتظل الحركات الاجتماعية والدينية العنيفة إحدى مؤشرات الانفجار الذاتي للمجتمعات العربية، ومرآة عاكسة لفشل الدولة في تحقيق وظيفتها الاحتوائية والإدماجية لفئاتها وحركاتها المختلفة.
وما كان لتنظيمات مثل «القاعدة» بمختلف طبعاتها، وغيرها من الجماعات العنيفة أن تنشأ وتتوالد باطّراد لولا القصور الواضح للدولة العربية في القيام بوظائفها الأساسية. صحيح أن هذه التنظيمات تنطلق من خلفية عقائدية متطرفة، بيد أنها ترتع في بيئة خصبة من الفشل السياسي والعوز الاقتصادي والقهر الاجتماعي تجعلها قادرة على تجديد نفسها باستمرار.
في ظل خلفية كهذه يمكن قراءة سلسلة الأزمات الراهنة التي تكاد تطيح بسلطة الدولة في العالم العربي، وتدفع بالحركات الانفصالية إلى صدارة المشهد السياسي العربي. فمشكلة الحُوثيين في اليمن لا يمكن ردّها ابتداء إلى نزعة إيديولوجية أو رؤية عقائدية متطرفة، أو حتى إلى نزعة سياسية انفصالية، إنما هي بالأساس تعبر عن أزمة بنيوية اجتماعية ناجمة بوضوح عن فشل الدولة اليمنية في مرحلة ما بعد الاستقلال في تحقيق الحد الأدنى من الاكتفاء الوظيفي والإشباع النفسي لإحدى مكوناتها الاجتماعية. وهي نسخة مكررة عن مشكلة الجنوب التي زادت حدتها خلال الأشهر القليلة الماضية، والتي تعكس الفشل الذريع للنظام اليمني في استثمار الوحدة التي تحققت قبل عقدين بين الشمال والجنوب، ولم ينجح في تحويلها من وحدة جغرافية وإدارية إلى وحدة سياسية واجتماعية كان لها أن تصبح نواة صلبة لدولة قوية. ولا يستوي الحديث هنا عن أدوار خارجية وألاعيب إقليمية، فالأزمة اليمنية موطنها هو الداخل وعلاجها لن يأتي إلا من خلال إعادة النظر في مشروع الدولة ذاته وقدرة نظامها على إعادة تعريف وظيفته ودوره ضماناً لبقاء شرعيته. ولا يمكن لدولة يعيش أكثر من ثلثي سكانها تحت خط الفقر، في حين وصلت نسبة الأمية فيها إلى نحو 40 في المئة، يضاف إليه ضعف السلطة المركزية وجهازها الإداري، أن تظل في مأمن من التوترات الاجتماعية والرغبات المتزايدة لمنازعة سلطان الدولة.
معضلة اليمن أنه بات دولة بلا أنياب، بعد أن تقلصت قدرات الدولة الفعلية تحت وطأة الاستنزاف والإنهاك المتواصل لإمكاناتها بفعل المواجهات بين الشمال والجنوب. وبذلك اصبح المجتمع اليمني مرتعاً خصباً لجميع التيارات والجماعات التي تبحث عن موطئ قدم وتسعى لتنفيذ مشاريع سياسية ودينية تتجاوز حدود الدولة الوطنية. وسيكون وبالاً على اليمن، ومن يجاوره، إذا توحدت القوى الثلاث المناوئة للدولة (الحوثيون والجنوبيون وتنظيم «القاعدة») وسعت إلى إسقاط نظامه السياسي.
وما ينطبق على اليمن هو حادث بالفعل في بلدان أخرى مثل السودان الذي تتنازعه دعوات الانفصال من الجنوب والشرق، وربما الغرب لاحقاً. ويكاد الوضع في اليمن يكون استنساخاً لما جرى في السودان طيلة العقدين الماضيين، سواء لجهة انعدام قدرة الدولة على بسط سلطانها على كافة أراضيها، أو لفشلها في تسويق مشروعها الوطني كبديل عن الولاءات المحلية ووقف نزعاتها الانفصالية. وفي فلسطين تبددت آمال قيام دولة فلسطينية، ولو مبتورة الصلاحيات، ليس فقط بفعل الانقسام السياسي وإنما بفعل تفشي التطرف الاجتماعي والديني ومزايدة الجميع على القضية الوطنية ورغبته في الاحتكار الأحادي لتمثيلها.
وفي حالات أخرى يبدو الخطر ذاته ماثلاً ولو من بعيد، كما هي الحال في مصر وتونس والجزائر والمغرب. فالمجتمع المصري يتوافر لديه كثير من مقومات التمرد والانفجار، وإن كانت السلطة المركزية وجهازها البيروقراطي لا يزالان يتمتعان بقدر من الردع والاحتواء. فلم يكن لأحد قبل أعوام قليلة أن يسمع عن بؤر التوتر الاجتماعي والديني التي تزايدت حديثاً في شكل مخيف. ولم يكن لأحد أن ينازع الدولة المصرية سلطانها وهيبتها على غرار ما هو حاصل الآن. قطعاً لن تتحول مصر إلى دولة فاشلة بالمعايير الصارمة مثل انهيار سلطة الدولة أو تحلل نظامها السياسي، بيد أن ذلك لا يحول دون تآكل هيبة الدولة وانخفاض رأسمالها المعنوي وذلك بفعل ضعف أدائها الاقتصادي، وتشوّه الوضع الاجتماعي، فضلاً عن الفشل في إنجاز وظيفتها الاستيعابية للكثير من فئاتها وجماعاتها. وقد يكون ملف نقل السلطة بمثابة القشة التي قد تقصم «ظهر» التماسك الاجتماعي الهشّ، خاصة إذا ما تحقق سيناريو التوريث الذي يُجرى الإعداد له على قدم وساق من دون اكتراث لمخاطره.
مكمن الخطر في العالم العربي الآن ليس في انهيار إحدى دوله من عدمه، وإنما في قدرة بنيته الاجتماعية على الصمود في وجه الاستحقاقات المؤجلّة منذ أكثر من نصف قرن. فلم يعد شيء صعب الحدوث في منطقتنا، فمن كان يتخيل أن يهتز نظام الثورة الإسلامية في إيران؟ ومن كان يظن أن يقف اليمن على حافة الانهيار دولة ومجتمعاً؟ ومن كان يعتقد أن تصل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في بلدان قديمة مثل مصر إلى ما هي عليه الآن من التوتر والاحتقان الذي لا تخفت نيرانه؟
عوامل ثلاثة تظل هي المحرّك الأساسي للتوتر وربما تقف وراء الانفجار المقبل في العالم العربي، أولها تآكل صلاحية المشاريع الوطنية للدولة العربية، وذلك إما بفعل الفشل السياسي والفساد الاقتصادي والظلم الاجتماعي، أو لانعدام القدرة على تحقيق التماسك الداخلي واحتواء الأقليات الدينية والمذهبية، وهو ما يتوازى مع ارتفاع سقف المطالب والطموحات الفئوية خاصة لدى الشرائح العمرية الشابّة.
ثانيها، زيادة النزعة الإقصائية والاستئصالية للدولة العربية والتي تعبر عن نفسها يومياً في السلوك القمعي والبوليسي لأجهزتها ومؤسساتها، ما يوّلد احتقاناً مجتمعياً وطائفياً يعزز نزعات التمرد ويدفع ببدائل الانفصال إلى الواجهة. ويكفي أن نراقب الآن ما يحدث بين بعض الحكومات العربية والحركات الإسلامية المعتدلة، فقد وصلت العلاقة بين الطرفين إلى حالة من التربص والشك، ربما تدفع بكثير من قواعد هذه الحركات إلى إعادة النظر في جدوى العمل السلمي، وربما يسقط بعضها في شباك التنظيمات الراديكالية العنيفة ويسعى لإقامة «إمارته» الإسلامية على نحو ما حصل حديثاً في غزة. وثالثها، وجود أدوار وقوى خارجية تسعى لاستثمار ما سبق من أجل تعزيز حضورها في الساحة العربية، وهذه لا تعمل من دون توفرّ ما سبق.
هذه العوامل تنسج معاً مستويات أربعة لطبيعة الدولة الراهنة في العالم العربي، ويمكن أن تصنَّف دوله وفقاً لها. المستوى الأول يضم دولاً تتمتع بالكفاءة الاقتصادية وبقدر من الشرعية الاجتماعية، ولكنها لا تتحمل وجود معارضة سياسية حقيقية، ما يفتح الباب أمام ترعرع المعارضة الدينية خاصة العنيفة منها، وذلك كما هي الحال في عدد من دول الخليج. والمستوى الثاني لدولٍ تعتاش على إرثها التاريخي من دون القدرة على تجديد شرعيتها السياسية بسبب ضعفها الاقتصادي وتوترها الاجتماعي، مثل مصر والجزائر والمغرب، وترزح مجتمعاتها الآن في بيئة مثالية للاحتقان الأهلي الذي يهدد بالانفجار في أي وقت. والمستوى الثالث لدول تملك الحد الأدنى من الشرعية ولا تعبأ بأي معارضة داخلية أو خارجية كما هو الحال في ليبيا وتونس وسورية، وهي بلدان سيكون الانفجار الداخلي فيها مروّعاً إذا نضُجت مقوماته. والمستوى الرابع لدول سقطت بالفعل في براثن الفشل، وفقدت قدرتها على البقاء متماسكة، وذلك إما بفعل الاستنزاف الداخلي المتواصل، أو نتيجة للتلاعب الخارجي بأزماتها، وذلك كما هي الحال في اليمن والسودان والصومال والعراق ولبنان.
ربما كانت الضغوط الأميركية من أجل الإصلاح آخر فرصة أمام كثير من الأنظمة العربية كي تراجع نفسها وتعيد حساباتها، بيد أن الرغبة في احتكار السلطة تظل هي الأقوى، ما يجعل الوضع في معظم الدول العربية عالقاً الآن بين استقرار هشّ لا يضمن بقاء السلطة لدى محتكريها، أو تغيير عنيف سيكون أقرب إلى الانفجار الذاتي.

الثلاثاء، ٢٥ أغسطس، ٢٠٠٩

النظام المصري والإخوان .. هل تتغير قواعد اللعبة؟

الجزيرة نت - خليل العناني
منذ حادث المنشية أوائل الخمسينات من القرن الماضي، لم تصل العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين والنظام المصري إلى درجة من التوتر والاحتقان على غرار ما هو حادث اليوم. ودون مبالغة فقد انتقلت العلاقة بين الطرفين من مجرد مواجهة سياسية محسوبة كي تصل إلى حد معركة صفرية، وفق قاعدة "إما نحن وإما هم". ويقبع في خلفية المواجهة الراهنة شعور متبادل بين الطرفين بأن المعركة قد أوشكت على نهايتها. فبعض أجنحة النظام في مصر بات لديها شعور عام بأن الجماعة تعيش أكثر لحظاتها انعزالاً وضعفاً على المستويين الاجتماعي والسياسي، ما يغري بمواصلة الهجوم عليها تمهيداً لاستئصالها. في حين تشعر الجماعة بأن النظام الحالي قد وصل إلى أقصي درجات الشيخوخة والعجز التي قد يسهل معها إزاحته عن مكانه. ويبدو أن كليهما يتحين الفرصة من أجل توجيه "الضربة القاضية" التي قد ينهي بها غريمه على غرار الحال في مصارعة الثيران.
على مدار ربع قرن (1981-2006) كانت العلاقة بين جماعة "الإخوان المسلمين" في مصر ونظام مبارك تستند إلى معادلة ضمنية بسيطة يعرفها الجميع، وهي إتاحة المجال أمام الحركة للقيام بدورها الديني (الدعوي) والاجتماعي (الخيري) مقابل عدم تهديدها لبقاء النظام سياسياً. وقد عاش الطرفان في كنف هذه المعادلة حتى أوائل الألفية الجديدة قبل أن ينقلب النظام على الجماعة ويسعى لكسر تلك المعادلة التقليدية. وهو ما بدا واضحاً بعد الانتخابات البرلمانية التي جرت أواخر عام 2005، وحققت فيها الجماعة فوزاً تاريخياً حرّك الأرض من تحت أقدام الحزب الحاكم.
ومنذ بداية عام 2006 وإلى الآن يتبع النظام المصري إستراتيجية محسوبة وشاملة تستهدف عزل الإخوان اجتماعياً وضربهم اقتصادياً، وذلك تمهيداً لاستئصال شأفتهم السياسية، وتحويل الجماعة إلى ما يشبه قطعة أثرية يمكن وضعها في متحف التاريخ المصري.
وقد ارتكزت هذه الاستراتيجية على سبعة أركان أساسية نُجملها فيما يلي:
أولاً، شلّ الحركة دستورياً، وذلك من خلال تعديل بعض بنود الدستور المصري لمنعها من خوض أية انتخابات مجدداً وبخاصة المادة الخامسة من الدستور التي تجرم العمل السياسي القائم على أساس ديني.
ثانياً، تجميد النشاط السياسي للحركة من خلال منعها من تطوير أدائها البرلماني وتمرير أية مشروعات قوانين داخل مجلس الشعب المصري، فضلاً عن ضرب تحالفها مع القوى السياسية الأخرى، سواء من خلال ابتزاز هذه الأخيرة بمكاسب برلمانية، أو ترهيبها من المشروع السياسي والديني للجماعة الذي يراه البعض مماثلاً للنموذج الإيراني.
ثالثاً، ضرب البنية الاقتصادية للحركة من خلال اعتقال العشرات من رجال الأعمال ذوي الأوزان الثقيلة داخل الجماعة مثل خيرت الشاطر وحسن مالك ومدحت الحداد والتي تتجاوز استثماراتهم ملايين الدولارات، بالإضافة إلى بعض صغار رجال الأعمال المحسوبين علي الجماعة.
رابعاً، بتر الأذرع الاجتماعية للجماعة من خلال القبض على رؤساء المكاتب الإدارية للجماعة والمسؤولين عن خطط التواصل مع المجتمع، ووقف النشاط الخيري والاجتماعي للجماعة، وذلك مقابل إعطاء مساحة للجمعيات الخيرية المنتمية للتيارات الدينية الأخرى.
خامساً، تجميد النشاط الدعوى للجماعة من خلال السماح للتيار السلفي بالتغلغل في المجتمع ونشر أفكاره لمجابهة الخطاب "الإخواني".
سادساً، الحصار الإعلامي الشديد للجماعة، حيث تقوم السلطات المصرية برصد ومراقبة كافة المنابر الإعلامية التي تستخدمها الجماعة، ولولا وجود بعض النوافذ المستقلة كالجرائد الخاصة مثل جريدة "الدستور" و"الشروق اليومي" بالإضافة إلى المواقع الإلكترونية المحسوبة على الجماعة مثل موقع "إخوان أونلاين"، لتمّ خنق الجماعة إعلامياً.
سابعاً، المطاردة الأمنية المتواصلة للجماعة من خلال اعتقال أعضائها وكوادرها من كافة المستويات، وقد وصلت إلى ذروتها مؤخراً مع اعتقال خمسة من أعضاء "مكتب الإرشاد" (خيرت الشاطر ومحمد على بشر على ذمة المحكمة العسكرية، وأسامة نصر وعبد المنعم أبو الفتوح على ذمة قضية إحياء التنظيم الدولي بالإضافة إلى محمود حسين). وهي سابقة لم تحدث من قبل في علاقة الجماعة بالنظام الحالي.

مكاسب النظام
في ظل الاستراتيجية السابقة نجح النظام في تحقيق عدة مكاسب أهمها ما يلي:
- تحييد الشارع المصري تجاه أكبر حركة معارضة سياسية في البلاد، ولا غرو في القول بأن جماعة الإخوان المسلمين تعيش أكثر حالاتها عزلة سياسياً واجتماعياً، وذلك رغم وجودها البرلماني الكبير. وهي مفارقة تبرز حجم الضغوط التي تعرضت لها الجماعة خلال الأعوام الثلاثة الماضية.
- إرهاق الجماعة اقتصادياً من خلال سياسة "تجفيف المنابع المالية"، حيث تم إغلاق ما يقرب من عشرين شركة من الحجم الكبير ومثلها من الحجم الصغير لقيادات بارزة في الجماعة. ولربما كان ذلك أحد أسباب اللجوء إلى قيادات الخارج من أجل ضخ بعض المساعدات المالية في شرايين الجماعة (إذا صحت الرواية الرسمية).
- استنزاف الجماعة تنظيمياً وذلك من خلال القبض على كوادر الصفين الثاني والثالث، وربما يطال الأمر الصف الرابع إن وجد. وهو ما أثر فعلياً على قدرة الجماعة على الصمود في مواجهة النظام، وعلى التواصل مع قواعدها التنيظيمة بسبب غياب القيادات الوسيطة.
- خفض الحد الأدنى لتوقعات الجماعة وطموحاتها، بحيث تصبح تحت رحمة النظام سياسياً ومن ثم دفعها لتقديم تنازلات هيكلية تتعلق إما بحضورها البرلماني، أو نطاقها الجغرافي والاجتماعي.
وفي ظل ما سبق بيانه قد لا يكون من المبالغة القول بأن الخطوة القادمة للنظام المصري ستكون العمل على تفكيك جماعة الإخوان المسلمين وحلّ هيكلها التنظيمي، وبغض النظر عما إذا كان النظام قادراً على تحقيق هذا الأمر أم لا، فإنه قد يكون أحد الخيارات التي يتم التلويح بها لابتزاز الجماعة وضمان تطويعها

الأخطاء السبعة للإخوان
في مواجهة إستراتيجية النظام لإقصاء الإخوان يبدو أن الجماعة، لم ترق إلى مستوى التحديات التي فرضتها هذه الإستراتيجية. وكان رد فعلها أشبه بالتثاؤب، وذلك بعد أن اعتمدت قياداتها منهجية "المحنة والصبر" لتفادي مواجهة النظام. وبذلك فقدت الجماعة إحدى مزاياها التاريخية وهي القدرة على مقارعة النظام والتعامل معه بندّية، واستندت إلى مبدأ المظلومية الشعبية باعتبارها ضحية للنظام وللصراع بين أجنحته، وحاولت استدرار عطف الجماهير "المطحونة" تحت وطأة العيش والخوف من السلطة، وباتت كمن ينتظر الماء العذب من بحر لُجيّ.
لذا فقد وقعت الجماعة في أخطاء إستراتيجية كبرى ساهمت في إنجاح إستراتيجية النظام ضدها، وكرّست محاولات العزلة التي يسعى النظام لفرضها على تحركاتها، ويمكن إجمال هذه الأخطاء في سبعة عناصر أساسية على النحو التالي:
أولا: أخطأت الجماعة حين تصورت أن فوزها التاريخي في انتخابات 2005 سيعبّد الطريق أمامها للتربع على قمة الهرم السياسي المصري، ما جعلها تتناسى أنها لا تزال جماعة محظورة قانوناً. وكان منطقياً أن يكون أول مطلب للجماعة، وهي في أوجّ صعودها السياسي والشعبي، الحصول على صك الشرعية. بيد أن الجماعة فوتت على نفسها فرصة تاريخية، ولم تطلب إقامة حزب سياسي أو جمعية أهلية يمكن أن تعيدها إلى الحياة السياسية بشكل شرعي على غرار ما كان عليه الحال طيلة النصف الأول من القرن الماضي. ولم تلتفت الجماعة إلى هذا الخطأ إلا بعد أن زاد قمع النظام لها وإحالة عدد كبير من قادتها إلى المحاكمة العسكرية في فبراير 2007. وقد ترتب عن هذا الخطأ الاستراتيجي أخطاء تكتيكية أخرى سيأتي ذكرها لاحقاً.
وقد يقول البعض بأن النظام لن يسمح للجماعة في أي حال من الأحوال بامتلاك ورقة الشرعية، وهو قول وجيه، بيد أننا نتحدث عن مواجهة مفتوحة وصراع طويل يمتد لجولات، وكان يمكن للجماعة أن تكسب جولة "الحزب" لو التفتت إليها مبكراً، وكانت على الأقل قد كسبت الرأي العام إلى صفها في مواجهة رفض النظام إعطاءها صك الشرعية. وقد كان جزءاً من هذا الخطأ هو تحوّل الجماعة من إستراتيجية الهجوم على النظام التي اتبعتها طيلة عام 2005 خاصة خلال الفترة من مارس إلى مايو التي نزلت فيها الجماعة إلى الشارع للمرة الأولى منذ نصف قرن، وكان النظام حينذاك يدافع فقط ولا يقوى على مجاراة الجماعة شعبياً، إلى أن تحوّل الحال بعد الانتخابات وعادت الجماعة إلى إستراتيجية رد الفعل مقابل هجوم النظام المستمر حتى الآن.
ثانيا: أخفقت الجماعة في قراءة التحولات التي سوف تطرأ على المشهد السياسي المصري لاحقاً. ويبدو أن الشعور المبالغ فيه بالانتصار الانتخابي المفاجئ قد خلب ألباب الجماعة ودفع بأحلامها بعيداً عن أرض الواقع. فقد كان منطقياً أن يسعى النظام للانتقام من جميع خصومه السياسيين الذين تحدوه طيلة عامي 2004 و2005، وفي مقدمتهم الجماعة، والقضاة وأيمن نور والصحفيين المستقلين وحركة كفاية ... إلخ. لذا فقد استباح النظام الجماعة بشكل كامل بدءاً من يناير 2006 حين اعتقل عددا كبيرا من قيادات الصف الأول مثل حسن الحيوان الذي توفي بفعل الضغوط التي تعرض لها، وعصام العريان ومحمد مرسي ومحمود عزت ورشاد البيومي ولاشين أبو شنب وغيرهم. كما نجح النظام في تفتيت عرى العلاقة بين الإخوان وغيرهم من القوى السياسية، التي انصرف كل منها نحو شؤونه كي يحمي نفسه من بطش النظام.
ثالثا: أخطأت الجماعة حين استخفت برد فعل النظام على العرض المسرحي الذي قام به نفر من طلابها في جامعة الأزهر فيما عُرف لاحقاً بقضية "ميليشيات الأزهر". وقد تعاملت قيادات الجماعة بنوع من الاستخفاف والتجاهل مع تلك الحادثة، وذلك رغم ادعاءات النظام الصارخة في هذه القضية حول النزوعات العنفية للإخوان، وقد كانت هذه القضية بمثابة "القشة التي قصمت ظهر الإخوان". فمن جهة أولى، أعطت تلك الحادثة للنظام هدية كان يحلم بها منذ أربعينات القرن الماضي وهي نعت الإخوان بالجماعة "الإرهابية" عطفاً على العرض العسكري الذي قام به طلابها. وكانت المرة الأولى التي يصف فيها الرئيس مبارك جماعة الإخوان بأنها "خطر على الأمن القومي المصري" قبل أن يحيل معتقليهم إلى المحاكمة العسكرية التاسعة في تاريخ الجماعة والأكثر وطأة على الإطلاق. ومنذئذ باتت الجماعة جسداً رخوا ينهشه كل من يرغب في التقرب إلى السلطة، وارتفعت وطأة الملاحقة الأمنية لأعضاء الجماعة في كافة المستويات.
رابعا: فشلت الجماعة فشلاً ذريعاً في تعبئة الرأي العام ضد أطول وأشرس محاكمة عسكرية في تاريخ الجماعة منذ العهد الناصري. فقد شملت المحاكمة نحو أربعين من قيادات الجماعة ذوي الوزن الثقيل داخلياً وخارجياً. وقد اضطلع أبناء المعتقلين بالعبء الأكبر في الترويج للمحكمة وملابساتها. وقد كان سوء تقدير الجماعة في التعاطي مع هذه المحاكمة بمثابة سقوط آخر حائط صد في مواجهة نظام مصمم على مواجهتها.
خامسا: وقعت الجماعة في خطأ تاريخي بالتعجّل في الإعلان عن برنامجها الحزبي، وذلك من دون دراسة واعية. فقد كان إعلان المرشد العام للجماعة في السابع عشر من فبراير 2007 (بعد عشرة أيام فقط من تصريح الرئيس مبارك حول خطورة الإخوان، وبعد أسبوع من إحالات قيادات الجماعة للمحاكمة العسكرية) عن نية الجماعة إصدار برنامج حزب، مجرد خطوة تكتيكية وليست خياراً استراتيجياً واضحاً. وكان الهدف من ذلك مجرد نقل المواجهة مع النظام إلى الساحة الفكرية بدلاً من المواجهة الأمنية المتصاعدة. وعلى عكس المأمول منه، فقد كان برنامج حزب الجماعة بمثابة ضربة ذاتية وجهها المحافظون للجماعة بسبب الأفكار المحافظة والغموض الذي خرج به البرنامج الذي صدر على عجل ودون دراسة متعمقة لما يمكن أن يثيره من إشكالات دينية وسياسية، وهو ما زاد من طوق العزلة على الجماعة.
سادسا: أخطأت قيادات الإخوان في قراءة تحولات المزاج العام في مصر، خاصة زيادة مساحة الاحتقان الاجتماعي واتساع رقعة الغضب الشعبي. وقد كانت هناك فرصة ذهبية لفك طوق العزلة عن الجماعة من خلال الالتحام مع فئات الشعب الغاضبة التي دخلت في سلسلة من الإضرابات والاعتصامات العمالية والمهنية، لم تحاول الجماعة الاستفادة منها مطلقاً. وهي بذلك فوتت على نفسها لحظة نادرة كان يمكن أن تعيدها إلى قلب النقاش السياسي والاجتماعي المصري، وأن تزيد التحامها بكافة الفئات الكادحة باعتبارها جماعة وطنية تدافع عن مصالح الجميع، وليست مجرد جماعة فئوية تكترث فقط بمشاكل أعضائها.
سابعا: كررت الجماعة أحد أخطائها التاريخية برفع سقف خطابها الخارجي، وعدم التفرقة بين الدعم الرمزي والمعنوي الذي تقدمه لحركات المقاومة العربية مثل حزب الله وحركة حماس، وبين متطلبات المصلحة الوطنية المصرية من جهة، وتعقيدات اللعبة مع النظام من جهة أخرى. فقد بدا خطاب الجماعة خلال العامين الأخيرين أشبه بالخطاب الناصري الذي يبالغ في التصريحات دون اتخاذ مواقف وسياسات واقعية. وقد استغل النظام السياسة الخارجية للإخوان (لو جاز التعبير) من أجل زيادة مساحة عزلتها عن التيار العام في مصر (خاصة خلال الحرب على غزة وقضية خلية حزب الله). بل أعطت مواقف الإخوان خلال هاتين الأزمتين هدية جديدة للنظام من أجل حياكة قضية "إحياء التنظيم الدولي للجماعة" التي تم بموجبها اعتقال الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح وأسامة نصر عضوىّ مكتب الإرشاد، وهي بذلك تضيف ورقة جديدة للنظام في مواجهة الجماعة قد يستخدمها لاحقاً ضمن أية سيناريوهات لنقل السلطة.
فضلاً عن تلك الأخطاء الاستراتيجية فإن ثمة أخطاء تكتيكية وقعت فيها الجماعة ليس أقلها التصريحات غير المحسوبة لقيادات الجماعة وعلي رأسهم المرشد العام للجماعة، فضلاً عن قرارات المشاركة في انتخابات مجلس الشورى منتصف 2007 والانتخابات المحلية في إبريل 2008، بالإضافة إلى ردود فعلهم حول بعض القضايا الاجتماعية التي زادت الشكوك حول كفاءتهم. دون إغفال موجات التوتر المكتوم بين قيادات الجماعة وشبابها، والتي لا يخفيها سوى الانشغال بمعركة الجماعة مع النظام.
مخاطر قمع الإخوان
سؤال افتراضي ولكنه يظل محتمل الوقوع في أي وقت من الأوقات: ماذا سيحدث إذا تم القبض على المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين محمد مهدي عاكف؟
إجابة افتراضية: لا شئ !!
هكذا وصلت العلاقة بين النظام والإخوان والمجتمع، فالأول استطاع أن "يُرهب" الثالث (أي المجتمع) ويحيّده تجاه الثاني (أي الإخوان)، ولكنه في الوقت نفسه لم ينجح في استئصال الإخوان من المجتمع المصري. وعليه، بات الإخوان كما لو كانوا القدر الحتمي والمرّ في حلق هذا البلد، فلا النظام قادر على استئصاله ولا المجتمع قادر على هضْمه، وبات شعار الشارع المصري تجاه معركة الطرفين "الصمت هو الحل".
لذا فإن السؤال الأكثر جدوى ليس هو هل يجب دمج الإخوان في الحياة السياسية في مصر أم لا؟ وإنما السؤال المطروح بقوة: ماذا ستكون كلفة إقصاء الإخوان المسلمين، أو استئصالهم، بالنسبة للمجتمع والنظام بوجه عام؟
وابتداء، فإنه إذا كانت هناك نقاط خلاف كثيرة وتحفظات منطقية على الخطاب السياسي والديني لجماعة الإخوان، إلا أن ذلك لا يمنع أي باحث موضوعي من الاعتراف باعتدال الخطاب الإخواني عموماً، وقدرته على البقاء وسط موجات من الخطابات الدينية التي تهبّ دورياً على الساحة المصرية. كما أن هذه الجماعة لعبت، ولا تزال، دوراً مهما في ضبط إيقاع الخطاب الديني (الدعوى) المصري والابتعاد به عن متاهات الغلو وتفاهات التسطيح طيلة العقود الثلاثة الماضية. ولا يبعد تواتر الكشف عن خلايا متطرفة خلال الآونة الأخيرة عن غياب الخطاب الإخواني وخطاب الأزهر الوسطي، واستفراد الخطاب السلفي المغلق بالفضاءين الديني والإعلامي.
قد لا يضير النظام المصري أن يقتلع الإخوان المسلمين من المجتمع المصري، وهو قطعاً لن يقوى على ذلك وإلا لفعلها أسلافه (عبد الناصر والسادات). بيد أن ثمناً باهظاً قد يدفعه المجتمع المصري نتيجة المواجهة العدمية بين النظام والإخوان.
وإذا لم يتم وضع حد للمواجهة الراهنة بين النظام والإخوان في مصر، فإن ثمة أخطارا عديدة تبدو محقة وتلوح في أفق الحياة السياسية المصرية.
فمن جهة أولى، من شأن زيادة قمع الإخوان أن يتعمق الاستقطاب داخل الساحة المصرية التي تغلي بفعل عوامل أخرى سياسية واقتصادية واجتماعية لا مجال للخوض فيها الآن.
ثانياً من شأن عزل الإخوان سياسياً ودينياً أن تتسع الساحة الثقافية والسياسية المصرية لخطابات دينية إما أكثر سطحية أو أكثر تشدداً بحكم الفراغ الذي يحدثه تغييب الإخوان عن الساحات العامة المصرية.
ثالثاً، من شأن زيادة مساحة القمع للإخوان أن يدفع ذلك ببعض قواعد الجماعة للخروج على قياداتها والقيام بتظاهرات عنيفة أو الدعوة للعصيان المدني. ولا مبالغة إذا قلنا بأن اعتقال القيادات الإصلاحية في الجماعة وعلى رأسهم عبد المنعم أبو الفتوح، هو أشبه بإعدام "سيد قطب" منتصف الستينات من القرن الماضي، وما أدى إليه من تأثيرات سلبية على شباب الإخوان وغيرهم من الشباب المتحمس دينياً آنذاك.
ويكفي أن نلقي نظرة على منتديات الإخوان ومدوناتهم لمعرفة مدى الاحتقان والتوتر التي وصلت إليه القواعد الإخوانية بعد اعتقال أبو الفتوح، ودعوتهم الصريحة لقيادات الجماعة بالتحرك واتخاذ مواقف صارمة تجاه النظام.
رابعاً من شأن اعتقال الإصلاحيين والمعتدلين داخل الجماعة، أن يتم دفعها باتجاه الانغلاق والميل نحو المحافظة وهو ما قد يفيد النظام مؤقتاً، ولكنه يضر بالمجتمع في المدى البعيد.
خامساً، من شأن عزل الإخوان أن تصبح الساحة خالية أمام ظهور حركات دينية متشددة تسعى لملء الفراغ الديني والسياسي بين الدولة والمجتمع.
سادساً، قد يؤدى استهداف الإخوان إلى انفراط الجماعة وتشرذمها إلى جماعات وجيوب صغيرة لا تلتزم برأي قادتها السياسية.
مستقبل العلاقة بين النظام والإخوان
جرى العرف في العلاقة بين النظام المصري وجماعة الإخوان أن ينتهي كل تصعيد في هذه العلاقة بعقد صفقة سياسية أو التوصل إلى تفاهمات أمنية وسياسية. وقد حدث ذلك مرات عديدة كان آخرها خلال عام 2005 حين سمح النظام للجماعة بدخول الانتخابات البرلمانية بحرية ملحوظة مقابل عدم التحالف مع جهات داخلية أو خارجية للضغط على النظام، وعدم تأييد المرشح الرئاسي أيمن نور. وقد تحقق للطرفين ما أرادا. الآن يجري الحديث عن صفقة محتملة بين الإخوان والنظام، وهو ما أستبعد حدوثه لعدة أسباب:
أولها أن النظام المصري ليس في حاجة الآن، على الأقل مقارنة بعام 2005 لدعم الإخوان المسلمين أو إسكاتهم، بل على العكس يبدو وكأنه يمتلك اليد العليا في علاقته بالجماعة وذلك بعد التعديلات الدستورية الأخيرة التي تحرم الإخوان من أي مشاركة سياسية أو انتخابية ولو نظرياً.
ثانيها، أن جماعة الإخوان في حالة عزلة وضعف شديدين ما يغري بمواصلة الهجوم عليها وليس التفاوض معها ومساومتها.
ثالثها أنه ليس لدى الإخوان ما يمكنهم المساومة عليه أو إعطاءه للنظام باستثناء سكوتهم عن ملف توريث الحكم لجمال مبارك. فالضغط الأمريكي من أجل الديمقراطية قد خفت، والحركات الاجتماعية الجديدة تبدو في واد آخر، والأحزاب المصرية تعاني حالة الموت البطيء، والشعب منصرف لقوت يومه.
رابعها، أن النظام نجح في تفكيك عرى العلاقة بين الإخوان وبقية القوى السياسية، وقد أغرى هذه الأخيرة بمكاسب معتبرة قد تحصل عليها خلال الانتخابات البرلمانية المقبلة وذلك إذا ما تخلوا عن الإخوان وصمتوا على قمعهم على غرار ما هو حادث حالياً.
ولعل أقصى ما يمكن أن يقوم به النظام تجاه الجماعة، إذا ما أراد التهدئة معهم، فسيكون إطلاق بعض كوادر الصف الأول ورفع اليد الأمنية عنهم حتى حين، وهو ما لا يُتوقع حدوثه قبل نهاية الانتخابات البرلمانية أواخر عام 2010 أو حدوث نقل للسلطة قبل ذلك. وعلى العكس، وفي ظل ما سبق، فمن المتوقع أن يزيد النظام من قمعه للجماعة والضغط عليها ليس فقط انتقاماً لما حدث في 2005، وإنما أيضا تهذيباً وتأديباً لما قامت به الجماعة خلال الحرب على غزة أوائل العام الجاري فضلاً عن موقفها المرتبك فيما يُعرف بقضية "خلية حزب الله"، وهو ما دفع بالعلاقة مع النظام إلى نفق مظلم.
إن أسوأ ما يمكن أن تؤدي إليه استباحة النظام لجماعة الإخوان هو استنساخ "النموذج الجزائري" الذي حدث أوائل التسعينات من القرن الماضي حين انقلب العسكر والعلمانيون على اللعبة الديمقراطية وأوقفوا صعود الإسلاميين آنذاك، فكان أن تحولت الجزائر إلى بقعة كبيرة من الدماء لا تزال تنزف حتى الآن، وهو ما لا نتمنى حدوثه في أرض الكنانة، وأي قطر عربي آخر.

نقلاً عن موقع الجزيرة نت علي الرابط:

حتمية الاختيار بين الإسلاميين المعتدلين أو الراديكالين !!


خليل العناني

دأبت النظم السلطوية العربية علي قمع الحركات الإسلامية المعتدلة، وهو ما دفع كثير من هذه الحركات إلي إعادة التفكير في جدوى المشاركة السياسية والعمل السلمي، خاصة في ظل عمليات القمع التي يتعرض لها أعضاء هذه الحركات علي نحو ما يحدث في حالة جماعة الإخوان المسلمين في مصر.
بيد أن السؤال الذي تهرب من مواجهته جميع الأنظمة العربية هو: هل هناك بديل للإسلاميين المعتدلين؟ الإجابة هي قطعاً بالنفي. فلا توجد أحزاب سياسية حقيقية في العالم العربي، بل هي مجرد أحزاب كرتونية غير مؤثرة سياسياً ومجتمعياً، في حين تبدو البدائل العلمانية والليبرالية في حالة يرثي لها، ولا تشكل بديلاً أو منافساً حقيقياً لهذه الأنظمة.
لذا فإن البديل الوحيد للإسلاميين المعتدلين هو الإسلاميين الراديكاليين والمتطرفين الذين يستخدمون العنف من أجل تحقيق أهدافهم السياسية. وهؤلاء يزداد وجودهم وتأثيرهم كلما ازداد إقصاء الإسلاميين المعتدلين، وكلما انشغل النظام عنهم بمواجهته مع المعتدلين.
وإذا كانت النظم العربية لا تريد حقاً أي مشاركة سياسية للإسلاميين المعتدلين، فليتم الإعلان عن حل وتفكيك تنظيماتهم وتسريح أعضاءها، وأن يتم فتح المجال للحركات والأحزاب العلمانية والليبرالية والقومية كي تحل محل الحركات الإسلامية. فهل هذا ممكن؟ قطعاً لا، ليس فقط بسبب قوة الإسلاميين وتجذرهم في المجتمعات العربية، وإنما أيضا بسبب حاجة النظم العربية لهؤلاء الإسلاميين من أجل تخويف الغرب واستخدامهم كفزاعة تضمن لهم البقاء للسلطة. ويبدو أن الغرب، خاصة الولايات المتحدة، لا يزال مقتنع بصلاحية وجدوى هذه الحيلة.
وسأضرب مثالاً علي ما سبق فيما يخص جماعة الإخوان المسلمين في مصر، فقد تعرضت الجماعة طيلة السنوات الثلاث الماضية لحملة من القمع والإقصاء ربما لم تحدث منذ المواجهة الشهيرة مع النظام الناصري خلال الخمسينات من القرن الماضي.
وعلى المدار السنوات الثلاث الماضية شهدت العلاقة بين نظام مبارك والإخوان قدراً كبيراً من التوتر والاحتقان بعد الفوز الكبير لها في انتخابات 2005. وخلال الشهور الست الأخيرة ارتفعت درجة المواجهة بين الطرفين كي تصل إلي حد الإقصاء السياسي والاجتماعي الكامل للجماعة، وذلك عقاباً للجماعة علي مواقفها خاصة في السياسة الخارجية.
صحيح أن علاقة الجماعة بالنظام لم تكن جيدة خلال التسعينات والنصف الأول من العقد الحالي، إلا أنها أيضا لم تصل لهذا المستوى من المواجهة، وكانت ثمة خطوط حمراء لا يتخطاها كلا الطرفين حفاظاً علي معادلة الاحتواء والبقاء.
لذا فإن الجديد في المواجهة الراهنة بين الطرفين هو القفز فوق ثوابت العلاقة وهو ما يتضح من خلال ثلاثة عناصر رئيسية، أولها إصرار النظام علي إقصاء الجماعة نهائياً من المشهد السياسي وذلك عبر استخدام كافة الأساليب الدستورية والسياسية والاقتصادية والأمنية. أي اللجوء لأسلوب المواجهة الشاملة مع الجماعة ومحاولة شكل حركتها السياسية.
ثانيها، إصرار النظام علي عزل الجماعة مجتمعياً سواء من خلال قطع الاتصالات بين الإخوان ودوائرهم الانتخابية والمجتمعية constituencies أو من خلال تشجيع التنظميات والجمعيات الأهلية الخيرية سواء التابعة للتيار السلفي أو للدعاة الجدد. ويحاول النظام الآن تطوير لائحة اتهاماته للجماعة من الاتهام التقليدي وهو "جماعة محظورة تسعي لقلب نظام الحكم" إلي جماعة متهمة بغسيل الأموال وممارسة الإرهاب والارتباط بتنظيمات خارجية مثل حزب الله وحماس، وربما تنظيم القاعدة في المستقبل.
ثالثها، استسلام الجماعة التام في مواجهة النظام وفشلها في تعبئة الرأى العام خلفها من أجل وقف قمع النظام لها والخوف من مواجهته.
لذا فإن السؤال ذي المغزى الآن هو: هل قرر النظام استئصال uprooting جماعة الإخوان المسلمين؟
بالطبع سوف يجيب البعض بالنفي، وذلك نظراً للقوة المجتمعية والبشرية للإخوان المسلمين التي قد تمنع استئصالهم تنظيمياً. بيد أن ما يقوم به النظام الآن هو أشبه الاستنزاف التدريجي للجماعة الذي قد يعرضها إلي نوع من "الانهيار الذاتي" خلال عقد من الآن.
صحيح أن الجماعة ستظل باقية كمجموعة من الأفراد الذين يتبنون خطاباً دينياً وسياسياً معيناً، وإنما هل ستكون هذه الجماعة قادرة علي نشر هذا الخطاب وتوسيع قاعدتها الاجتماعية؟ وهذا ما يريده النظام. حيث تحاول بعض الأجنحة تجميد الجماعة وإصابتها بنوع من السكتة الدماغية أو "الجلطة" حتي لا تقوى علي الحركة، وشلّ قدراتها التنظيمية بحيث تتوقف عن التمدد. وهو ما حدث بالفعل خلال العامين الأخيرين. حيث فشلت الجماعة في القيام بأي دور مؤثر علي الساحة السياسية المصرية، أو تكوين ائتلاف سياسي مع بقية القوى الحزبية من أجل الضغط علي النظام في أية قضايا سياسية أو اقتصادية.
والسؤال الذي يجب أن يفطن إليه هؤلاء هو: ما هو البديل عن جماعة الإخوان إذا ما قرر النظام حلّها أو تفكيكها؟ وأين سيذهب أعضاء الجماعة بعد تفكيكها؟ هنا يجب توسيع الصورة كي تتضح معالمها. فمصر تحتوى علي خليط وهجين من التيارات والتوجهات الإسلامية التي تتفاوت بين اليمين واليسار. صحيح أن النظام نجح في تفكيك جماعات العنف الإسلامية مثل جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية، ولكنه لم ينجح في بتر والتخلص نهائياً من بذور العنف علي مستوى الخطاب الديني. فلا تزال هناك بعض الأفكار الجهادية الموجودة في الفضاء الديني المصري بانتظار من يتلقفها ويعيد إنتاجها وتوظيفها من خلال استخدام العنف. كما أن هناك نمواَ كاسحاً للخطاب السلفي الذي بات يهيمن علي الفضاء الديني والإعلامي في مصر بشكل غير مسبوق. صحيح أن الخطاب السلفي ليس مسيّساً ولا يهتم بالمشاركة في السلطة، ولكنه أيضا خطاب يتأثر بالمحيط الاجتماعي والاقتصادي الذي تمر به مصر حالياً. ناهيك عن تأثير العامل الديمغرافي ووجود طلب قوى بين الشباب على أفكار هذا التيار. وهؤلاء يمكن توظيفهم بسهولة ضمن أية مشاريع داخلية أو إقليمية لتهديد الاستقرار في مصر. ولا يكفي أن تكون الأجهزة الأمنية واعية ومتحكمة في هذا التيار، حيث يمكن لبعض الخلايا أن تفلت من قبضة الرقابة الأمنية، وتقوم بتشكيل تنظيمات صغيرة لديها أجندة سياسية متطرفة. لذا قد يصل النظام إلي نقطة اختيار حرجة بين الإبقاء على جماعة الإخوان أو إفساح المجال لجماعات وتنظيمات أكثر راديكالية وتطرفاً.
معضلة النظام المصرى أنه في الوقت الذي يضطهد فيه جماعة الإخوان، إلا أنه لا يتيح الفرصة لبدائل أخرى كي تنمو وتنافس الإخوان دينياً وسياسياً ومجتمعياً. كما أنه في الوقت الذي يوجد فيه أحزاب ممثلة لكافة التيارات السياسية كالليبراليين والقوميين والناصريين والعلمانيين لا يوجد حزب سياسي واحد يعبر عن الإسلاميين، حتى وإن كان من خارج الإخوان مثل حزب "الوسط الجديد" علي سبيل المثال، وهو ما يجب إعادة النظر فيه بجدية.

الإثنين، ٦ أبريل، ٢٠٠٩

إميل نخلة لـ «الحياة»: فشلت في إقناع إدارة بوش بالتعامل مع «حماس»... لكن لا مفرّ من التحدّث إلى الإسلاميين إذا أردنا الإصلاح فعلاً

لندن: كميل الطويل:
«لا يمكننا أن نتحدث عن إصلاح في العالم الإسلامي إذا لم نتحاور مع الحركات التي تمثّل الشريحة الأوسع من المسلمين». كان هذا رأي الدكتور إميل نخلة عندما كان يقدّم النصح لـ «كبار المسؤولين» في الإدارة الأميركية (غير مسموح له بكشف اسمائهم)، وما زال رأيه اليوم بعدما غادر وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي أي) بعد سنوات طويلة عمل فيها مديراً لبرنامج التحليل الاستراتيجي للإسلام السياسي في أكبر جهاز استخباراتي أميركي. يقول الدكتور نخلة، في لقاء مع «الحياة»، إن إدارة الرئيس باراك أوباما لا يمكنها أن تتجاهل الحركات الإسلامية ذات القاعدة الشعبية «فلا يمكننا أن نتحدث عن إصلاح إذا لم نتحدث إلى «الإخوان المسلمين» في مصر أو «حماس» في فلسطين أو «حزب الله» في لبنان».لم يعد الدكتور نخلة، الأكاديمي الفلسطيني الأصل (من الجليل) والمنتمي إلى عائلة مسيحية (كاثوليكية)، مضطراً الآن أن يبقي رأيه سرياً لا يطلع عليه سوى كبار المسؤولين الأميركيين. صار بإمكانه الآن البوح به علناً منذ مغادرته الـ «سي آي أي» في 2006. وهو قام بذلك فعلاً بكتابته «تحاور ضروري» (نسسري إنغيدجمنت)، الذي عدّد فيه خلاصات توصل إليها خلال عمله في الـ «سي آي أي» والتي كان خلالها على اتصال مباشر مع العديد من الناشطين الإسلاميين في مختلف أنحاء العالم. وترى هذه الخلاصات - التي يبدو أنها موجّهة أساساً إلى الإدارة الجديدة لباراك أوباما في البيت الأبيض - أن لا مفرّ من التحاور مع الحركات الإسلامية التي تنادي بتغيير تدريجي، حتى ولو كانت الولايات المتحدة تصنّفها بوصفها «إرهابية»، مثل «حماس» و «حزب الله». يقول نخلة الذي التقته «الحياة» في لندن خلال مشاركته في حلقة دراسية لديبلوماسيين ورجال أمن ومهتمين بالحركات الإسلامية، إن «مصلحتنا القومية لا تسمح لنا بتجاهل العالم الإسلامي. إننا نتحدث عن بليون و400 مليون نسمة. لا نتحدث عن طائفة أتباعها بضع مئات أو بضعة آلاف».ويوضح أنه كان مكلفاً دراسة الحركات الإسلامية في إدارة الاستخبارات في وكالة الاستخبارات المركزية التي انضم إليها في 1991 بعد قضائه سنة بصفة «استاذ مقيم»، كونه كان يعمل في المجال الأكاديمي من قبل (كان استاذاً للعلوم الدولية في كلية في ماريلاند، قرب واشنطن). ويشير إلى أن الوكالة قدّمت له بعد نهاية السنة الأولى «عرضاً لم يمكنني أن أرفضه. فبقيت معهم 16 سنة».يقول نخلة الذي يبدو حريصاً على عدم استخدام كلمة «أصولي» أو «إسلاموي»، إن وكالة الاستخبارات المركزية في لانغلي عملت على درس «عوامل أسلمة المجتمعات» ثم لجأت إلى تحليل الحركات الاسلامية «لنحدّد من منها يمثّل التيارات ذات القاعدة الشعبية». ويوضح ان الوكالة من خلال دراستها الحركات الاسلامية استخلصت نقاطاً عديدة بينها أن «معظم المسلمين لا يؤيدون العنف» وأن «المعارضة للحكومات الغربية، خصوصاً الأميركية، لا تنطلق من أسباب تتعلق بقيمنا. إذ أننا نسأل الناشطين الإسلاميين عن أسباب معارضتهم لنا، فنجد انهم لا يعارضون شفافية نظامنا السياسي، ولا سياسة الحكم الرشيد لدينا. إذن، كما اكتشفنا، معارضتهم مرتبطة بسياساتنا، وبالتالي يمكن تغيير هذه المعارضة إذا تغيّرت السياسة، بما أنها ليست مرتبطة بقيمنا».ويلاحظ أن الحركات الاسلامية «التي تتمتع بشعبية في الشارع» هي حركات «غير متشددة في طريقة تعاملاتها، إذ أنها لا تسعى إلى البدء فوراً في تطبيق الشريعة وفرض الحدود. إنها تتعامل مع المشاكل التي نواجهها جميعاً: تلبية هموم الناس مثل العمل والوظائف وتأمين لقمة العيش».ويدافع نخلة عن ضرورة التعامل مع هذه الحركات، قائلاً إنه كان، مثلاً، من دعاة التعامل مع حركة «حماس» الفلسطينية عندما فازت في الانتخابات في 2006، لكنه فشل في إقناع إدارة الرئيس جورج بوش بذلك. ويقول إن «الغالبية» في الإدارة رفضت آنذاك التعامل مع «حماس» إلا إذا لبّت بعض الشروط (شروط «الرباعية»)، وهو أمر لم توافق عليه الحركة الفلسطينية. ويزيد: «إننا نتحمل جزءاً من المسؤولية عما حصل بعد ذلك (في إشارة إلى ما حصل في غزة خلال الهجوم الإسرائيلي في نهاية العام الماضي ومطلع هذه السنة). لكن هذا لا يعني أن ليس في صفوف «حماس» متشددون وإرهابيون. فبعض تصرفاتها لا ينطبق عليه سوى وصف الارهابي».لكن نخلة يزيد أنه «لا يمكن التحدث عن إصلاح في العالم الإسلامي من دون التحدث مع الحركات الاسلامية التي تمثّل شريحة واسعة من المواطنين». ويضيف: «كيف يمكن الحديث عن إصلاح من دون التحدث مع «الإخوان» في مصر، و «حزب الله» في لبنان، و «حماس» في فلسطين. تلك الحركات لديها شرعية شعبية لا يمكن تجاوزها».ويؤكد أن الحركات الإسلامية ذات «القاعدة الشعبية» تمثّل ما بين 95 و98 في المئة من الناشطين الإسلاميين السياسيين و «هؤلاء يسعون إلى تغيير تدريجي، ولا مفر من التحاور معهم». ويضيف أن هناك نسبة 2 إلى 3 في المئة من الناشطين الإسلاميين «لا أمل فيهم («بيوند ريدمبشن»)، وهؤلاء لا أدعو الى حوار معهم»، قائلاً إن «تنظيم القاعدة» يدخل مثلاً في هذا الجزء الضئيل الذي لا يتمتّع بوزن شعبي في العالم الإسلامي.ويقول نخلة إنه صار يحفظ تقريباً أشرطة أسامة بن لادن ونائبه الدكتور أيمن الظواهري كافة، إذ أن جزءاً من عمله في الاستخبارات الأميركية كان درس خطابات الرجلين وتحليل فحواها ومعرفة الرسائل التي تتضمنها. ويزيد «إنه صار يعرف من الجملة الأولى في الشريط هل المتكلم فعلاً هو بن لادن أو الظواهري. أحفظهما عن ظهر قلب».ويشيد هذا المسؤول السابق في الاستخبارات الأميركية بالتجربة الإسلامية التركية، قائلاً إنها تمثّل «علمانية إسلامية». ويوضح أن هذه العلمانية تختلف بشدة عن «اللائكية الفرنسية» التي ترفض الدين، لكنها تأخذ المعنى «الانغلو - ساكسوني» للعلمانية في شكلها الذي ينادي بفصل الكنيسة عن السياسة ويحمل قبولاً للأديان. ويعرب نخلة عن خشيته من تطور مشكلة الانقسام السني - الشيعي في العالم العربي، ويقول: «إن ذلك مخيف في المستقبل». كذلك يعرب عن خشيته من ظهور تنظيمات سلفية متشددة («نيو سلفيست») ترفض العمل السياسي أصلاً.
جريدة الحياة

الأربعاء، ١ أبريل، ٢٠٠٩

مرشد الإخوان الثامن بين البيعة والانتخاب

خليل العناني*

هل سيأتي المرشد العام الثامن لجماعة الإخوان المسلمين بالانتخاب أم بالبيعة؟ سؤال يطرحه التصريح الذي أدلي به المرشد العام السابع للجماعة محمد مهدي عاكف (81 عاماً) وأعلن فيه نيته عدم تجديد بقاءه في قيادة الجماعة بانتهاء مدة ولايته الأولي التي تنتهي في الرابع عشر من 2010. وعلي الرغم من عدم وجود بند في اللائحة الداخلية للإخوان المسلمين يمنع عاكف من إعادة ترشيح نفسه مجدداً، إلا أنه يبدو مصراً علي عدم الاحتفاظ بمنصبه.

وإذا لم يستمر عاكف لولاية جديدة، فقد تكون هذه هي المرة الأولى منذ تأسيس الجماعة قبل 81 عاماً التي يتنازل فيها مرشد الجماعة عن منصبه طواعية وليس بسبب المرض أو الوفاة، وإذا ما حدث ذلك فستكون سابقة في تاريخ الجماعة أن يكون لديها مرشد سابق. فجميع المرشدين الذين تولوا الجماعة قد تركوها بسبب الوفاة ولم تحدث انتخابات تنافسية علي المنصب الأهم في جماعة الإخوان المسلمين.

وفي جميع الحالات السابقة كان يتم اختيار المرشد عن طريق البيعة، حيث جري العرف أن يقوم أعضاء مكتب الإرشاد العام الذي يتكون من 13 عضواً باختيار المرشد الجديد عقب وفاة المرشد الراحل، ويتم عرض الأمر بشكل ودي علي أعضاء مجلس شوري الجماعة وأعضاء التنظيم العالمي لإقرار الاختيار وهو ما حدث في جميع المرات السابقة. وهي عملية أقرب للبيعة منها للانتخاب الحر المباشر، ولم يحدث في تاريخ الجماعة أن حدث خلاف حول شخصية المرشد العام للجماعة، وذلك باستثناء ما حدث عقب وفاة المرشد العام الرابع للجماعة محمد حامد أبو النصر الذي توفي عام 1996 وتمت مبايعة المرشد العام الخامس مصطفي مشهور وقت دفن أبو النصر وهو ما جعل البعض يطلق علي عملية اختياره "بيعة القبور"، وقد كانت هناك مخاوف من حدوث صراع بين مشهور ومأمون الهضيبي الذي أصبح لاحقاً المرشد العام السادس عقب وفاة مشهور عام 2002.

حسب اللائحة الداخلية لجماعة الإخوان المسلمين والتي تم تعديلها مؤخراً فإنه يتم اختيار المرشد العام للإخوان من خلال إجراء تصويت داخل مجلس الشورى العام للجماعة والذي يتكون من حوالي 90 عضواً، حيث يطلب من كل عضو أن باختيار ثلاثة أعضاء لمنصب المرشد العام على ألا يختار نفسه للمنصب، وإذا حصل أحد الأعضاء علي الأغلبية المطلقة يكون هو الفائز بمنصب المرشد العام. أي أننا إزاء تسعين مرشحا لمنصب المرشد العام للجماعة.

وبشكل سريع يمكن رصد مجموعة من الملاحظات بخصوص اختيار المرشد العام الثامن للإخوان، أولها أنه لن تجرى انتخابات حقيقية من الناحية العملية، وسيكون التصويت أقرب للتعيين، لأنه لن تجري انتخابات تنافسية بين مرشحين معروفين، ولن يتم الاختيار بناء علي برامج المرشحين وإنما استناداً لأوزانهم داخل التنظيم.

ثانياً، لن تحدث مفاجآت فيما يخص أوزان التيارات داخل الجماعة، وبوجه عام يمكن القول بأن جناح المحافظين هو الذي سيحصل علي منصب المرشد العام للجماعة علي حساب الجناح الإصلاحي، وذلك لسبب بسيط هو أن معظم أعضاء مجلس شوري الجماعة الذين سيتولون اختيار المرشد الجديد ينتمون للجيل الثاني والثالث للجماعة والذي يتميز بطبيعته المحافظة وعدم جرأته على التغيير.

ثالثاً، سوف تنحصر المنافسة داخل التيار المحافظ بين جناحين أولهما هو الجناح المحافظ المتشدد والذي يطلق عليه البعض الجناح القطبي (نسبة إلي سيد قطب) والذي يمثله الأمين العام للجماعة محمود عزت، والذي يميل لتغليب البعد الديني علي السياسي، وثانيهما هو الجناح المحافظ البراجماتي الذي يمثله محمد حبيب النائب الأول لمهدي عاكف، والذي يميل للعمل السياسي علي العمل الدعوي.

وإذا ما حدث تقارب في النتائج بين كلا الشخصين، فقد يتنازل محمود عزت لمصلحة محمد حبيب الذي يحظي بقبول لدي الجماعة ولدي القوي السياسية وربما النظام، وذلك بسبب هدوءه وقدرته وعدم صداميته ومهاراته السياسية.

رابعاً، سوف يلعب المرشد العام الحالي مهدي عاكف دوراً مهما في اختيار المرشد الجديد، وذلك من خلال دوره في ضبط التوازنات في عملية اختياره بين المحافظين والإصلاحيين ومنع حدوث خلافات تؤثر علي صورة الجماعة.

خامساً، لن يكون هناك أي تأثير للإصلاحيين في عملية اختيار المرشد العام الجديد للجماعة، وذلك ليس فقط بسبب ضعفهم التنظيمي علي مستوى المحافظات وعدم قدرتهم علي تحدي المحافظين، وإنما أيضا بسبب عدم رغبتهم في الصدام مع شيوخ الجماعة وقادتها خوفاً علي وحدة الجماعة وصورتها أمام المجتمع والنظام. سادساً لن يكون هناك أي دور للجيل الشباب في اختيار المرشد الجديد، وذلك لعدم امتلاكهم قدرة تصويتية وعدم امتلاكهم لتيار متماسك يمكن أن يفرض رؤيته علي قادرة الجماعة.

إذا نحن إزاء مفارقة غريبة، ففي الوقت الذي سيتم فيه اختيار مرشد عام جديد للجماعة، إلا أن هذا الاختيار لن يعكس الرغبة الحقيقية لكل أعضاء جماعة الإخوان المسلمين.

لذا إذا كانت جماعة الإخوان تريد أن تحدث نقلة نوعية في انتخاب المرشد العام الجديد، فيجب أن يتم ذلك من خلال تعديل اللائحة الداخلية للجماعة كي تعطي الفرصة أولاً لممثلين عن كافة الشرائح العمرية للمشاركة في عملية انتخاب المرشد بما فيهم الجيل الشاب، وثانياً أن يتم فتح باب الترشيح لجميع أعضاء الجماعة ممن تجاوز عمرهم الأربعين عاماً وأن تجرى منافسة حقيقية بين المرشحين. طبعاً من الصعب أن تقوم الجماعة بإجراء انتخابات علنية للمرشد العام بسبب المعوقات الأمنية، ولكن يمكن القيام بذلك من خلال الأدوات التكنولوجية مثل الـsms أو البريد الإلكتروني.

وتبقي ملاحظتين مهمتين، أولهما أنه لا مبرر للضجة الإعلامية التي أثارها تصريح مهدي عاكف بعدم ترشحه لولاية جديدة، حيث أن جميع فروع جماعة الإخوان المسلمين في الدول العربية تشهد انتخابات نزيهة وشفافة لمنصب المراقب العام، مثلما هو الحال في الأردن والجزائر واليمن والكويت والمغرب، وبالتالي إذا قامت الجماعة في مصر بمثل هذه الانتخابات فلن تكون سابقة تاريخية.

وثانيها، أنه من الصعب أن يتم انتخاب مرشد عام للإخوان المسلمين من خارج مصر حسبما تردد مؤخراً. حيث يطالب البعض بضرورة أن يتم الفصل بين منصب المرشد العام للجماعة الذي من المفترض أن يكون مسئولا عن إدارة التنظيم الدولي، وبين منصب قائد جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وذلك من خلال استحداث منصب جديد هو منصب "المراقب العام" للجماعة في مصر وذلك علي غرار الحال في الأردن، وهو أمر غير وارد لأسباب كثيرة تتعلق بمكانة الجماعة الأم في مصر، وبمدى محورية دورها في إدارة التنظيم الدولي بوجه عام.

ومن المتوقع أن يواجه المرشد العام الجديد للجماعة عدداً من التحديات، أولها قدرته علي إحداث نقلة نوعية في الخطاب السياسي والديني للجماعة كي يصبح أكثر ديمقراطية وانفتاحاً خاصة فيما يتعلق بطبيعة الدولة المصرية والمساواة بين مواطنيها. وثانيها قدرته علي إعادة هيكلة البناء التنظيمي للجماعة لجعله أكثر مرونة واستيعاباً للجيل الجديد من الشباب. وثالثها، قدرته علي ضبط العلاقة مع النظام وقوي المعارضة وذلك من خلال وضع إستراتيجية جديدة تنقل الجماعة من جماعة دينية سرية إلي حزب سياسي يحظي بالشرعية القانونية.

* خبير في شؤون الإسلام السياسي، مؤسسة الأهرام.

الأربعاء، ٢٥ مارس، ٢٠٠٩

رسالة أوباما للإسلاميين المعتدلين: تشدّدوا كي نتحاور معكم!

خليل العناني

يبدو الرئيس الأميركي باراك أوباما مولعاً بفكرة الحوار مع الخصوم، وذلك إلى درجة يكاد فيها الحوار أن يتحوّل إلى إيديولوجيا بحد ذاته. وهو بدأ ولايته الرئاسية بالدعوة إلى إعادة النظر فى عدد من الملفات التي فشلت معها سياسة الإقصاء التي اتبعتها إدارة سلفه جورج دبليو بوش وفي مقدمها ملفّا إيران وسورية. ولم يكن خطاب أوباما للإيرانيين قبل أيام والذي طالبهم فيه بـ «فتح صفحة جديدة» في العلاقة مع بلاده، سوى ترجمة فعلية لديبلوماسية الحوار التي ينتهجها مع «طيف مماثل من القضايا» حسب تعبيره.

لم تكن المشكلة يوماً في الحوار، فهو أقصر السبل الى التفاوض، بيد أن المشكلة تكمن في استغلال أحد الأطراف لمسألة الحوار وتفسيرها باعتبارها علامة ضعف للطرف الداعي للحوار، وبالتالي محاولة ابتزازه في إطار العملية التفاوضية من دون الاستعداد لتقديم تنازلات حقيقية.

الآن ثمة حوار أميركي على كل الجبهات، سورية وإيران و «طالبان» وكوريا الشمالية وروسيا والصومال، وربما لم يعد هناك خصوم لم تدع إدارة أوباما للحوار معهم سوى تنظيم «القاعدة»، الذي قد نسمع في المستقبل القريب، إذا ما عاد لقوته، واشتد عود الجيل الجديد من الجهاديين، أن يدعوه الرئيس أوباما للحوار والتفاوض.

دعوة أوباما للحوار مع إيران، كشأن دعوته المماثلة للحوار مع «معتدلي» حركة «طالبان» الأفغانية، تحمل في ظاهرها العقلانية والواقعية، وفي باطنها الضعف وانعدام الخيارات، وربما سوء الحسابات. وقراءة متأنية لخطاب أوباما الذي وجهه الى إيران بمناسبة «عيد النيروز» تبدو كاشفة لكثير من مظاهر الضعف والحيرة التي تسم السياسة الخارجية لإدارة أوباما.

بيد أن الرسالة الضمنية التي يمكن للآخرين التقاطها من «ديبلوماسية الحوار» التي تنتهجها إدارة أوباما هي أن التشدّد (وربما التطرّف) هو أنجع وسيلة لجذب اهتمام الولايات المتحدة ودفعها للجلوس والتحاور. وهي رسالة تحمل فى طياتها مؤشرات غير سارة للولايات المتحدة. فمن جهة أولى، لن يضير «الخصوم» أن يستجيبوا للحوار مع الإدارة الأميركية، ولكن بشروطهم، فما دام الحوار سينطلق من خلفية الضعف الأميركي والحاجة الملّحة للتعاون مع هؤلاء الخصوم، فلا عجب أن يغالي البعض في رفع «أثمان» الحوار التي يتوجب على الولايات المتحدة دفعها لهم (كما هي الحال مع إيران وسورية و «طالبان»).

ومن جهة ثانية، سيسعى هؤلاء إلى توظيف الحوار مع الولايات المتحدة في إطار صراعهم الداخلي مع مناوئيهم ومنافسيهم، وذلك على غرار الحال مع الرئيس الإيراني أحمدي نجاد الذي يرى في دعوة أوباما للحوار معه نصراً لسياساته المتشددة تجاه الولايات المتحدة ومكافأة على صموده في وجه المجتمع الدولي خلال السنوات الأربع الماضية، وهو ما سيوظفه بشكل أو بآخر خلال الانتخابات الرئاسية المقررة في حزيران (يونيو) المقبل. بل هي الحال ذاتها مع حركة «طالبان» التي ترى في دعوة أوباما للحوار مع «معتدليها»، دليلاً على «الفشل» الأميركي في أفغانستان، مؤكدّة أنها لن تتراجع حتى «تهزم الولايات المتحدة» كما فعل «المجاهدون الأفغان» مع الاتحاد السوفياتي السابق.

ومن جهة ثالثة، سيكون على الولايات المتحدة من الآن فصاعداً أن تتوقع تشدّداًَ مضاعفاً من الخصوم، وأن تستعد لتقديم تنازلات مضاعفة ليس فقط لخصومها، وإنما أيضا لحلفائها الذين ستتوجب ترضيتهم من أجل قبول مبدأ التحاور مع الخصوم، كما هي الحال مع السعودية ومصر والأردن وباكستان.

أما الرسالة الأهمّ فهي للإسلاميين المعتدلين في العالم العربي، فهؤلاء تعاملت معهم إدارة أوباما كأنهم غير موجودين. ويبدو أن أوباما غير مكترث بفتح قنوات للحوار معهم، سواء أولئك الذين يحظون بشرعية قانونية على غرار الحال مع جماعة مع «الإخوان المسلمين» في الأردن، وحزب «العدالة والتنمية» في المغرب، وحركة «مجتمع السلم» في الجزائر، أو أولئك الذين يحظون بشرعية مجتمعية من دون تمثيل قانوني كحالة «الإخوان المسلمين» في مصر وسورية و «حركة النهضة» المحظورة في تونس.

وهي مفارقة صارخة تطعن في مصداقية الإدارة الأميركية الجديدة، وتشي بصعوبة حدوث تغيير حقيقي في سياستها إزاء المجتمعات والشعوب العربية. وتزداد هذه المفارقة وضوحاً حين يتبارى منظّرو أوباما ومستشاروه في إقناعه بالحوار مع الراديكاليين والمتشددين باعتبارهم «حقيقة يجب التعامل معها»، من دون الإشارة بكلمة واحدة الى الإسلاميين المعتدلين، وذلك على غرار ما فعل أخيراً المثقف الأميركي المعروف فريد زكريا. وإذا كان هذا الأخير ينطلق في رؤيته من وطأة الموقف الأميركي فى أفغانستان، إلا أن براغماتيته الفجّة تبدو فاقدة للمنطق والحسّ الأخلاقي. فمن جهة أولى فإن الإسلاميين المعتدلين، وليس فقط الراديكاليون، هم أيضا حقيقة واقعة لا بد من التعاطي معها، بل هم الأكثر نفوذاً وتأثيراً في العالم العربي والإسلامي، وتلك بداهة لا تحتاج لإثبات. ومن جهة ثانية، ووفقاً للمنطق البراغماتي ذاته، فإن الإسلاميين المعتدلين هم الطرف الأكثر قدرة على محاربة الإرهاب والتطرف الإسلامي، ليس فقط لاعتدال منهجهم وخطابهم (على الأقل في المستوى الأداتي)، وإنما أيضا لنفوذهم وتأثيرهم الاجتماعي الواسع.

ومن جهة ثالثة، تبدو الازدواجية الأميركية فاقعة، حين يجري التشكيك في خطاب الإسلاميين المعتدلين كمانع للحوار معهم، في حين يجري التحاور مع أطراف وجماعات تبني شرعيتها وخطابها على إيديولوجية «الموت والهزيمة لأميركا».

ومن جهة أخيرة، فإن مسعى أوباما لاسترضاء الخصوم، بخاصة الإسلاميين الراديكاليين، يبدو دافعاً للمعتدلين كي يزيدوا من تشدّدهم، ما دام أن ذلك هو الأسلوب الأنجع لجذب أنظار أوباما ومنظرّيه تجاههم، وما دام أن الاعتدال بات خصماً وليس رصيداً لهم في علاقتهم سواء بأنظمتهم أو بالولايات المتحدة.

وفضلاً عن ازدواجيتها، فإن سياسة أوباما إزاء الإسلاميين المعتدلين تبدو محاطة بشكوك كثيرة، ليس أقلها انعدام «الحسّ» القيمي في السياسة الخارجية الأميركية، ذلك أن أحد موانع الحديث الأميركي مع الإسلاميين المعتدلين، هو تخوف واشنطن من إغضاب حلفائها في المنطقة على غرار الحال مع مصر وتونس وليبيا وسورية التي تسعى حالياً للانضمام إلى «نادي الحلفاء».

قد لا يسعى الإسلاميون المعتدلون الى الحوار مع الولايات المتحدة، بل يرى بعضهم في ذلك خصماً من رصيدهم الشعبي ومن مصداقيتهم أمام جماهيرهم، بيد أن تجاهلهم وعدم الاكتراث بأوضاعهم السيئة، هو بمثابة ضوء أخضر لأنظمتهم للتمادي في قمعهم والبطش بهم، وذلك على غرار ما حدث خلال العامين الأخيرين من إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، وهم بذلك يضافون إلى قائمة الخاسرين من الحوار الأميركي مع الممانعين.

تفكيك «إيديولوجيا» الحوار يكشف أنها تستهدف، وفقاً للفهم الأميركي لها، محاولة إرباك الخصوم والإيهام بالتفرقة بين المتطرفين والمعتدلين داخل تنظيماتهم، أو بالأحرى «دق إسفين» بين كلا الطرفين. وهي محاولة رغم ذكائها، إلا أنها تبدو غير مقنعة للمنافسين الذين يرون فيها استسلاماً أميركياً طال انتظاره. فهل يتخيل أحد أن حركة «طالبان» لديها معتدلون؟ وهل يظن أحد أن تنظيم «القاعدة» يقوم بأفعاله المرعبة لمجرد التسلية؟

وبالمنطق ذاته، فإن ثمة مسافة قصيرة باتت تفصل الولايات المتحدة عن فتح حوار مع تنظيم «القاعدة»، وهي مسافة قد يختزلها هذا الأخير بسهولة إذا ما قام بعملية نوعية تستهدف مصالح اميركا أو أحد حلفائها في المنطقة، حينئذ ستكون الضربة القاضية لإدارة أوباما ونهجها التحاوريّ مع المتشدّدين.

قطعاً هي فكرة مجنونة أن تطلب إدارة أوباما الحوار مع أسامة بن لادن أو أيمن الظواهري، ولو من خلال طرف ثالث، وذلك على نحو ما يجري ترويجه حالياً إزاء العلاقة مع «حماس» و «حزب الله»، بيد أن البراغماتية «الأوبامية» لا تعرف حدوداً حتي وإن كان الحوار مع الشيطان ذاته، وذلك وفقاً لقاعدة «تشدّدوا.. نتحاور معكم».

جريدة الحياة اللندنية

السبت، ٢٤ يناير، ٢٠٠٩

أنباء عن موت عشرات من عناصر القاعدة في الجزائر بـ"مرض غريب"

الجزائر - رمضان بلعمري
تحدثت تقارير صحفية متضاربة عن موت ما لا يقل عن أربعين مسلحا منضوين تحت لواء الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية، بسبب مرض غريب لم يتم تحديد طبيعته، فيما توقع خبراء أمنيون أن يؤثر ذلك على "معنويات" المسلحين في الجبال وحتى على شبكات التجنيد.وكانت صحيفة "الواشنطن تايمز" الأمريكية ذكرت في تقرير لها أن أولئك المسلحين لقوا حتفهم نتيجة سلاح كيماوي أو بيولوجي تم تصنيعه في الجبال، بينما رجحت صحيفة "صن" البريطانية فرضية الإصابة بطاعون ناتج عن عدوى حيوانات قارضة كالجرذان.
وحسب المعلومات التي حصلت عليها "العربية.نت" من مصادر متخصصة في شؤون ما بات يعرف باسم تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، فإن الشيء المؤكد هو "وفاة عدد غير قليل من مقاتلي التنظيم جراء وباء قاتل في الجبال"، ورفضت المصادر ذاتها التعليق على المعلومات التي أوردتها صحيفة "الواشنطن تايمز" بشأن سبب وفاة مسلحي القاعدة في جبال تيزي وزو بمنطقة القبائل في الجزائر. واستنادا إلى هذه الصحيفة الأمريكية، نقلا عن مسؤول كبير في وكالة المخابرات الأمريكية، فإن "سلطات بلاده تمكنت من التنصت على مكالمة هاتفية عاجلة جرت بين زعيم قاعدة المغرب الإسلامي في الجزائر وبين قائد في تنظيم القاعدة يتمركز في منطقة قبلية على الحدود الباكستانية الأفغانية".وحسب ذات الصحيفة، فإن "أبو مصعب عبد الودود أبلغ محادثه بتوقيف العمليات المسلحة بسبب الوضع الكارثي الذي حصل عقب انتشار مرض الطاعون الأسود وسط مقاتليه"، بينما رد عليه مسؤول القاعدة في المنطقة القبلية على الحدود الباكستانية الأفغانية بالإسراع في عزل "الفريق المصاب بالمرض وغلق المعسكر".وسجل المتحدث باسم وكالة المخابرات الأمريكية أنه "لا يستطيع الجزم إن كان السلاح الذي قتل به مسلحو القاعدة كيماويا أو بيولوجيا"، مشيرا إلى أن "التسجيل الصوتي تم في الأسبوع الأول من شهر يناير/كانون الثاني الجاري". أما صحيفة "الصن" البريطانية، فتعاطت مع الأمر من جهة ترجيح كفة إصابة المسلحين بمرض الطاعون الأسود، وقالت الصحيفة "إن المقاتلين أصيبوا بمرض الطاعون الذي اجتاح القارة الأوروبية في العصور الوسطى، الأمر الذي لاقى ترحيبا شديدا من قبل العاملين في قسم مكافحة الإرهاب ببريطانيا، معتبرين أن هذا المرض اللعين الذي يلقب بـ(الموت الأسود) قد بات أحد حلفائهم في الحرب على الإرهاب". وأوردت الصحيفة نقلا عن مصدر أمني "يعد ذلك المرض السلاح الأكثر فتكا حتى الآن في الحرب على الإرهاب، فكثير من الإرهابيين لا يمتلكون الإمدادات الطبية الأساسية الضرورية لمعالجة المرض، خاصةً أنه ينتشر بشكل سريع ويتسبب في قتل الأشخاص في غضون ساعات قليلة، وهو ما سيعمل في حقيقة الأمر على إثارة قلق القاعدة". وبحسب "الصن"، فإن هذا المرض يتمظهر في عدة أشكال، فهناك طاعون ينتشر عبر طريق لدغات براغيث الفئران المصابة، ومن أشهر أعراضه الشعور بحالة من الغليان في مناطق الفخذ والرقبة والإبطين، وهناك الطاعون الرئوي، الذي ينتشر عبر البكتيريا المحمولة في الهواء مثل نزلات البرد، وقد تظل بداخل جسم الإنسان لمدة تزيد عن أسبوع، وهو نوع معد جدا لكن ليس لديه أعراض. من جهته، أوضح الباحث والمتخصص في الشؤون الأمنية أنيس رحماني لـ"العربية نت"، أن "تنظيم القاعدة في الجزائر يرفض كشف الظروف المعيشية الصعبة التي أصبح يمر بها جراء تضييق الخناق عليه وتفكيك شبكات التموين بالغذاء"، والنتيجة حسب المتحدث هو "لجوء مسلحي القاعدة إلى الطبيعة، من خلال أكل الأعشاب واصطياد الحيوانات البرية". وأكد رحماني أن "الحديث عن سلاح كيماوي أو بيولوجي من طرف مقاتلي القاعدة في الجزائر ليس سوى تضليل يقوم به درودكال قائد التنظيم، بغرض الحصول على دعم خارجي قوي، من منطلق أن القاعدة تقود حربا غير تقليدية"، مضيفا أن "الجزائر لا تملك هذا النوع من الأسلحة ولو كان العكس لتمكنت من القضاء على الإرهاب مبكرا". وعبر عن قناعته بأن "هلاك مسلحي القاعدة في الجزائر قبل أيام هو بسبب إصابتهم بمرض معد، استنادًا إلى شهادات تائبين تحدثوا عن انتشار الأمراض المتنقلة خاصة مرض الجرب بين المسلحين المرابطين في الكهوف والمغارات".

العربية نت

الثلاثاء، ٢٠ يناير، ٢٠٠٩

الجزائر: نحو إصدار عفو جديد لصالح غلاة القاعدة؟

الجزائر- كامل الشيرازي:
يذهب مراقبون في الجزائر، إلى أنّ النداء الذي وجّهه " حسن حطاب "مؤسس تنظيم " الجماعة السلفية للدعوة والقتال " التي صارت تدعى ( قاعدة بلاد المغرب الإسلامي )، هو بمثابة تمهيد لإجراءات عفو جديدة تنوي السلطات استصدارها في مرحلة ما بعد الانتخابات الرئاسية المزمعة في أبريل/نيسان القادم، على نحو يدعم ما أتى به قانون الوئام المدني وميثاق السلم والمصالحة في عامي 1999 و2005 وما تضمناه من تدابير سمحت بتطليق مئات المتمردين لأعمال العنف، محيلا على تدابير خاصة ستمكّن أي مستسلم من الاستفادة من إجراءات أقرّتها المصالحة الجزائرية التي دخلت حيز التنفيذ في ربيع العام 2006.
وظهر واضحا في الرسالة التي أرسل بها حطاب المكنّى "أبو حمزة" (42 عاما)، تركيز متزعم الجماعة السلفية في الفترة ما بين (1998 – 2002) على (إغراء) أتباع المتشدد "عبد المالك دروكدال" ودعوتهم للاستسلام، لقاء عفو خاص، إذا ما ارتضوا التوبة واختاروا الاندماج في المجتمع بصورة نهائية، ويبدو أنّ حطاب أراد أن يضرب (الحديد وهو ساخن) كما يُقال، غداة الأنباء الواردة من معسكرات القاعدة، والتي تحدثت عن حالة من الجمود والتذمر السائدة بين صفوف مقاتلي أكبر تنظيم دموي في الجزائر الذي يستوعب في حدود خمسمائة مسلح - 380 مسلحا بحسب إحصائيات رسمية-.
واللافت أنّ حطاب في ثاني خرجة له منذ استسلامه في 23 سبتمبر/أيلول 2007، تحدث بلهجة الواثق من نفسه، من أنّ الجزائريين سيحتضنون المتمردين، في اقتباس منه لعبارة ظل يكررها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في حملته الترويجية لميثاق المصالحة في سبتمبر/أيلول 2005، وجزمه آنذاك أنّ مواطنيه سيستقبلون من ظلوا السبيل بـ"التمر والحليب"، علما أنّ ثلاثمائة مسلح استفادوا من تدابير العفو العام منذ مارس/آذار 2006.
وتحدثت تقارير رسمية قبل أسبوع، أنّ ما لا يقلّ عن مائتي مسلح لا زالوا ينشطون في صفوف جيوب التمرّد، واستنادا إلى ما ذكرته بيانات أمنية، فإنّ عموم المتمردين يتمركزن خصوصا في منطقة القبائل الكبرى وأجزاء من منطقتي الشرق والصحراء الكبرى، وغالبيتهم محسوبون على تنظيمي (قاعدة الجهاد في بلاد المغرب الإسلامي) و(جماعة حماة الدعوة السلفية)، بعدما جرى القضاء على النواة الصلبة في أقدم تنظيم دموي في البلاد (الجماعة الإسلامية المسلحة) بشكل كامل.
ويتساءل متابعون عما إذا كان ظهور رسالة حطاب في هذا التوقيت تحديدا له علاقة بنية السلطات لتطوير المصالحة، وتدعيم مسارها بإجراءات جديدة تؤكد ما كشفه مدني مزراق، الأمير السابق لـ"الجيش الإسلامي للإنقاذ المنحلّ"، قبل فترة، عندما أعلن عن إمكانية تقديم السلطات "عروضا جادة" للمسلحين، واستعدادها –بحسبه- لإقرار تدابير لصالح ناشطي المجموعات المسلحة، بما في ذلك عناصر ما يسمى "تنظيم قاعدة الجهاد ببلاد المغرب الإسلامي"، بغرض دفعهم إلى التخلّي عن العنف، ويقول مزراق إنّ السلطات يمكنها أن تستوعب 80 بالمئة من المسلحين "إذا ما تمّ تطبيق المصالحة بعدل".
وكان الرئيس بوتفليقة لوّح قبل أشهر باحتمال إقرار إجراءات تكميلية لخطة المصالحة المعمول بها في بلاده منذ مارس/آذار 2006، وقال بوتفليقة في خطاب له منتصف شهر آب/أغسطس الماضي :"يستوجب اتخاذ إجراءات أخرى"، متصورا أنّ المصالحة التي استوعبت نحو ثلاثمائة مسلح وجرى العفو بموجبها عن 2200 من مساجين "الإرهاب"، لا تزال بحاجة إلى تعزيز، على حد تعبيره، مركّزا على أنّ استكمال المصالحة سيرسخ صورة بلد متصالح مع ذاته، قوي بأصالة قيمه العريقة ومتفتح علي محيطه الجهوي والقاري والدولي.
ولم يكشف الرئيس الجزائري عن طبيعة التدابير المحتمل اتخاذها لتعزيز مسار المصالحة، كما لم يطلق إشارات عما إذا كان هناك اتجاه لطرحها قبيل انتهاء ولايته الحالية التي ستنقضي ربيع العام القادم، أم سيجعلها عنوانا كبيرا لمرحلة ما بعد 2009، إذا ما نجح في افتكاك ولاية ثالثة.
وفهم مراقبون، كلام بوتفليقة على أنّه إحالة على وجود مشروع مبادرة جديدة يجري التحضير لها وقد يتم الإعلان عنها على مواطنيه في غضون الفترة القادمة، ولعل ّ توكيد الرئيس الجزائري في سائر خطاباته على استمراره في انتهاج سياسة المصالحة رغم تصعيد غلاة العنف لهجماتهم، يحمل في طياته نية واضحة من بوتفليقة للذهاب بعيدا في تطوير المصالحة الجزائرية، وتدعيم مسارها بإجراءات مستحدثة.
ولا تزال وضعيات مئات المسلحين ممن سلموا أنفسهم إلى السلطات بعد انقضاء آجال العفو العام في 31 أغسطس/آب 2006، عالقة، ما جعل كوكبة من الحقوقيين ورجال القانون تنادي حاكم البلاد لاتخاذ تدابير عفو استثنائية لصالح هؤلاء شريطة عدم تورطهم في تفجيرات ومجازر جماعية، في وقت دعا رئيس اللجنة الجزائرية لحماية وترقية حقوق الإنسان (حكومية) "مصطفى فاروق قسنطيني"، سلطات بلاده إلى العفو عن التائبين الجدد، واعتبر قسنطيني إنّه من المصلحة العليا للجزائر، أن تصفح السلطة عمن ضلوا السبيل وعادوا إلى جادة الصواب.
إيلاف